كيف أملك نفسي عند الغضب؟
2019/11/04
617

إن من الصفات الملكوتية التي يتصف بها الأنبياء والأئمة الأطهار والصالحون هي: ضبط النفس عند الغضب وهو ما يسمى بالحلم، ومعناه كسر شوكة الغضب من غير ذل وهذه الصفة من صفات الشخصية الناجحة، وهي تحمل الذي يمتلكها التحلي بالكثير من المزايا التي تفيد المجتمع. أذكر لك منها ترك الإنتقام ممن أغضبه مع قدرته على الإنتقام وهذا كله دليل على العقل الراجح وقوة الإرادة للسيطرة على النفس، وهذه الصفة الرائعة أفضل الطريق إلى النجاح في جميع مجالات الحياة.

والحلم هو أن يصبر ويعفو مع قدرته على الرد؛ لأنه قد يكون في رده زيادة في المشاكل، وقد يكون قد تسرع في الحكم على شخص ما فيظلمه، كما سُئل الإمام الحسين (عليه السلام) ما الحلم؟ فقال: ((كظم الغيظ وملك النفس))، وعن طريق الحلم يستطيع الإنسان أن يؤثر على الآخرين ويكسب وُدّهم، فالحلم هو زينة وقمة النجاح للإنسان وهو رفعة عند الله وهذه الصفة هي مرتكز العقل الراجح والإيمان عند الإنسان، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): ((ثلاث من مكارم الدنيا والآخرة: تعفو عمّن ظلمك وتصل من قطعك وتحلم إذا جهل حقك)).

ومن نتائج هذه الصفة هي الحصول على كسب رضا الناس ومودتهم والحفاظ على الصداقة والإخوّة وكسب قوة الشخصية، ومن ثم الوصول إلى النجاح وكسب العلاقات الإجتماعية والتمتع بالسعادة بين الناس، ولا شك أن الحلم في النهاية يتجلى في الدرب الجميل وصحيفة الأبرار ورفع الحسنات وسلوك السبل الخير ويرتفع بصاحبه إلى عالي الدرجات.

كل ما ذكرناه كان من فوائد الحلم في نجاح الشخصية، والآن سنتطرق إلى صفة أخرى ولها تأثيرها في نجاح الشخصية ألا وهي الكَياسة والفطنة، وهذه الصفة تجعل الإنسان يتمتع بشخصية ناجحة ومعناها العقل والتنبه وهو قوة الإستعداد للإدراك والمهارة والإجادة في العمل وبالسرعة المطلوبة.
أما الكَياسة والتي لها علاقة وثيقة بنجاح الشخصية وهذه الصفة معناها تقوى الله سبحانه وتعالى وتجنب المحارم وصلاح المعاد ومعرفة الإنسان عيوبه، والإقتصار في المطالب وبالتالي ينال رضا الله سبحانه وتعالى.

وأما الإنسان الفطن مستمعتي فهو من يسترشد بالعقل ويجعله دليل الفضيلة في حياته العلمية والعملية، ويفرق بين العقل والعاطفة، والذي ينبغي أن يلتفت إليه عامة الأشخاص وخصوصاً جيل الشباب؛ ليوجههم إلى الخير والصلاح ويحذرهم من الغرق في الآثام والرذائل.
أما العاطفة فلها هدف مغاير فهي تارة تهدي الإنسان إلى الخير والطهر وتارة أخرى تسوق إلى ارتكاب الذنوب، فعلينا إستشارة العقل الذي هو الحجة الإلهية وهادي البشرية وهو مرشد ومنزِّه، يدعو الناس إلى الحق والحقيقة وهو جليس المعرفة التي لا تخون عند الإستشارة أبداً، فالكَيِّس الفطن هو الذي يتبع العقل ويسير خلفه؛ لأنه يبعث على الراحة والسعادة والهناء ومخالفته تؤدي إلى التعاسة والشقاء، هذا المنطلق قد أوضعه أولياء الله وأحبائه في أكثر من نقطة وبيَّنوا لأتباعهم فائدة طهارة العقل وما فيه من بلوغ الخير كله ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((إنما يدرك الخير بالعقل))، وكما جاء عن الإمام عليه (عليه السلام) قال: ((ليست الرؤية كالمعاينة مع الأبصار، فقد تكذب العيون أهلها، ولا يغش العقل من استنصحه)).

وإلى جانب ذلك فإن قوة العقل توجد قوة تسمى بـ"قوة العاطفة" وهناك قوة أخرى هي قوة الذات والتي توجد في الإنسان، يطلق عليها الأهواء والغرائز والعواطف والأحاسيس والميول الشاذة وما إلى ذلك.

وتعتبر الميول العاطفة أكبر قدرة محركة للإنسان وأقوى عامل في تحريكه، فالعاطفة تارة تدفع بالإنسان إلى طريق الخير والصلاح وتصبح عاملاً في سمو السجايا والأخلاق والخصال الإنسانية، وتارة أخرى تدفعه إلى طريق الشر والضلال وتصبح عاملاً في ارتكاب أخطر الجرائم، فهنا يأتي دور الفطن الكَيِّس الذي يضع الأمور في مواضعها.

إن الشخصية الناجحة هي التي تكون مصدراً للخير وليست دعامة للشر، إن الكثير من السجايا والصفات الإنسانية السامية كالعطف والشفقة وكظم الغيض والمسامحة والعفو والمغفرة والتضحية والفداء والبذل والحنان تنبع بمجلها من العواطف والأحاسيس، فعلى الإنسان الناجح أن يتمتع بكل هذه الصفات لينال رضى الله سبحانه وتعالى ومحبة الناس. إن الإنسان منذ اليوم الأول لولادته تصاحبه إستعدادات فطرية تشكل جذوراً أساسية للميول والرغبات لديه، وتبدأ هذه الميول والرغبات بالتفتح الواحدة تلو الأخرى إلى جانب نمو الجسم ونمو قوة الإدراك عند الطفل بشكل يتناسب واحتياجات الحياة، وهنا يكمن دور الشخصية الكَيِّسة التي تتعامل مع المجتمع وكأنها تطبق كل قواعد الصلاح والخير لعموم الإنسانية، ولذلك أشار بقوله أمير المؤمنين (عليه السلام): ((من غلب هواه على عقله ظهرت عليه الفضائح))، وهذا يعطينا مؤشراً واضحاً أن العقل الضعيف والعاجز لا يستطيع التغلب على الميول النفسية وكبح جماح الأحاسيس المتمردة للإنسان. 

ومن موجز ما ذكرنا نستطيع القول أن العقل الكامل هو الوحيد القادر على الوقوف سدّاً محكماً بوجه السيل الجارف من الميول النفسية وقيادة العواطف الإنسانية إلى الطريق السليم.
 



 

 

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: الشخصية الناجحة- الحلقة الرابعة - الدورة البرامجية 26

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا