ثمرات المودة
2020/07/17
168

إن المودة لها أثراً كبيراً ليس في بناء المجتمع المتماسك والمتضامن والمتكافل فحسب، بل وضرورة العمل على تعميم ثقافة المحبة والمودة وكل القيم التي تماثلها في المعنى، فأي عاقل أو حكيم يريد للحياة الاجتماعية أن تعيش قدراً من الاستقرار والسلام فيفترض به أن يساعد على نشر قيمة المحبة، مبتدئاً بنفسه ومن يلي أمورهم من الناس أو يدخلون في نطاق مسؤوليته فالمودة التي تنشأ بين الأشخاص وحرصاً على بقائها واستمراريتها لِما لها من آثار إيجابية طيبة على الاجتماع الإنساني برمته، فإن بعض الروايات قد نزلتها منزلة النسب ومنحتها صفة القرابة، مع ما يتضمنه ذلك من إعطاء بُعْدٍ جديد لمفهوم القرابة،  عن الإمام علي (ع): ( رب أخٍ لم تلده أمك) إن ما يشير اليه هذا القول الشريف إلى تأكيده وبيانه هو: أن الصديق هو مَنْ تجده في الملمات إلى جانبك، مهتماً لأمرك ومتفاعلاً معك، هو أخ لك وإن لم تلده أمك، بينما الأخ الذي هو من أبيك وأمك ولكنه لا يهتم لأمرك ولا يبالي بما تعانيه فهو لا يحمل من مضمون الأخوة إلا الاسم، لأن تعاون الأخوة وتضافرهم هو من مقتضيات الأخوة، وفي حديث آخر عنه (سلام الله عليه): "المودة إحدى القرابتين"، وعنه(ع): (المودة نسب) وتذهب بعض النصوص إلى أبعد من ذلك حيث تؤكد على أن المودة بين الأصدقاء المتحابين والمتآخين هي أكثر نفعاً من القرابة الخالية من العواطف، فربما كان إخوان القرابة النسبية مؤذين ومزعجين لك ويقطعون رحمك، بينما إخوان المودة الصادقة سيقفون لا محالة إلى جانبك ويمدون لك يد العون عند الحاجة إليهم ويواسونك في الملمات اذ إن القرابة الخالية من وشائج المودة لا قيمة لها، بل إنها تؤلم قلب الغيور الذي يتوقع أن يرى قريبه الرحمي واقفاً إلى جانبه، وإذا به يراه  أحياناً  يكيد له ويضمر الحقد والحسد عليه، قال الشاعر:

وظُلْمُ ذوي القربى أَشد مضاضةً... على الحرِ مِنْ وَقْعِ الحسامِ المُهَنَدِ

كما أن المودة التي تنشأ بين الآباء ينبغي أن يحفظها الأبناء ويتوارثوها، ففي الحديث عن أمير المؤمنين  (ع) مودة الآباء قرابة بين الأبناء، والقرابة إلى المودة أحوج من المودة إلى القرابة ) وهذا خُلُقٌ جميل ورائع، وهو من جهة يعبر عن الوفاء للآباء والبر بهم والإخلاص لهم بحفظ صداقاتهم وعلاقاتهم، ومن جهة أخرى، فإنه يوسع من دائرة الصداقة والأخوة، وهذا في حد ذاته مقصد نبيل تهتم الشريعة الإسلامية به، لِمَا له من نتائجَ طيبةٍ على الاجتماع الإنساني برمته، ومما يروى اخيتي انه كان أبو عبد الله الصادق (ع) إذا نظر إلى الفضيل بن يسار مقبلاً قال:" إن فضيلاً من أصحاب أبي، وإني لأحب الرجل أن يحب أصحاب أبيه".
وفي الخبر عن أبي عبد الله الصادق وأبي الحسن الكاظم (سلام الله عليهما ) قالا: ينبغي للرجل أن يحفظ أصحاب أبيه، فإن بره بهم بره بوالديه (ولعل أبرز وأوضح ثمرة للمودة هي اكتساب الإخوان وكفى بذلك ثمرة، لأن اكتساب الإخوان ليس مجرد فضيلة يحث عليها الإسلام، وإنما هو مغنم عظيم وحاجة ماسة لكل واحد من أبناء الإنسان، لأن الجنس البشري لا يمكنه الاستغناء عن الحياة الاجتماعية أو أن يعيش وحيداً في عزلة عن بني جنسه، ومن هنا نجد تعاليم الأنبياء (عليهم السلام) ووصايا الحكماء تدعو إلى التعارف والتلاقي والتزاور، وتحض على اكتساب الأصدقاء والإخوان؛ لأنه كسبٌ ونفعٌ للإنسان، فعن مولانا الامام علي (ع): " أنفع الكنوز محبة القلوب". 

كما أن افتقاد الإخوان خسارة كبيرة وغربة موحشة، وعنه (سلام الله عليه) أيضاً( والغريب من لم يكن له حبيب) وثمة وصايا وتعاليم إسلامية خاصة وعديدة حول كيفية التعامل مع الإخوان، وبيان حقوق الأصدقاء، وآداب الصداقة، والحث على عدم تضييع الأصدقاء، فعن أمير المؤمنين «(ع) : "أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم".

أجل، إن المودة بين الأصدقاء لا يفترض ولا ينبغي أن تصل إلى مستوى يتجاوز فيه الأصدقاء كل الحدود أو ترتفع بينهم الحواجز كافة بحيث ينكشف الصديق أمام صديقه انكشافاً تاماً، فهذا من سقم المودة، وقد تكون له نتائج غير طيبة على مستقبل الصداقة نفسها، وذلك بملاحظة أن ظروف الحياة قد تغير الصديق عليك، وربما يتحول إلى خصم لك، فيستغل ما يعرفه عنك من أسرار فيفضحك أو يبتزك أو ما إلى ذلك، وقد نبه على ذلك الإمام علي (ع) عنه: «أحببْ حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغضْ بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما » وبما أن المودة تحتاج في الكثير من الأحيان إلى محفزات وتهيئة أسباب ومقدمات، يكون من المهم بمكانٍ العمل على تدريب النفس وحملها على مودة الآخرين، كما تؤكد ذلك بعض الأحاديث الشريفة، ففي الحديث عن أمير المؤمنين(ع): "التودد نصف العقل ".

وليس المراد من التودد هنا مخادعة الناس والتظاهر بالود لهم مع استبطان ما يغايره من الكراهية والحقد، وإنما المراد به تعويد النفس وتدريبها على مودة الآخرين، فالتودد هو من قبيل التصبر الذي يعني حمل النفس على الصبر، أو التحلم الذي يعني حمل النفس والغرض من الحث على التودد هو كسب الآخرين واستمالتهم وكسر الحواجز النفسية معهم، فهو يمثل نوعاً من المداراة أيضاً، والمداراة هي سلوك أخلاقي راقٍ ورفيع، وهي لا تعني المداهنة أبداً كما قد يتخيل البعض ونظير هذا المعنى مروي عن الإمام الصادق(ع) فقد قال: " لا يطلع صديقك من سرك إلا على ما لو اطلع عليه عدوك لم يضرك، فإن الصديق ربما كان عدواً".

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: برنامج توادوا- الحلقة الخامسة- الدورة البرامجية56.

 

تحدث معنا
يمكنكم ايضا التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا