2026/01/19
28 تُعدُّ معاشرةُ الناسِ من أدقِّ أبوابِ الأخلاقِ الاجتماعيةِ، وأشدِّها أثرًا في استقرارِ الفردِ والمجتمعِ. فالإنسانُ كائنٌ اجتماعيٌّ بطبعِه، ولا يمكنُ لهُ أن يعيشَ منعزلًا عن الآخرينَ، لذلكَ كانَ لزامًا عليهِ أن يتعلّمَ فنَّ التعاملِ معهمْ بحكمةٍ واتِّزانٍ.
أولى القواعدِ في معاشرةِ الناسِ هي حسنُ الخلقِ، إذ بهِ تفتحُ القلوبُ وتُزالُ الحواجزُ، وهو أساسُ كلِّ علاقةٍ ناجحةٍ، قال الإمامُ زينُ العابدينَ (عليه السلام) لأحدِ أصحابِه:
«إخوانكَ احفظْ عليكَ لسانكَ تملكْ بهِ». ثمَّ قالَ لي: «أما عليكَ أن تجعلَ المسلمينَ منكَ بمنزلةِ أهلِ بيتِكَ؛ فتجعلَ كبيرَهمْ بمنزلةِ والدِكَ، وتجعلَ صغيرَهمْ منكَ بمنزلةِ ولدِكَ، وتجعلَ تربَكَ أي مَن وُلدَ معكَ منهمْ بمنزلةِ أخيكَ، فأيُّ هؤلاءِ تحبُّ أن تظلمَ؟ وأيُّ هؤلاءِ تحبُّ أن تدعوَ عليهِ؟ وأيُّ هؤلاءِ تحبُّ أن تهتكَ سترَهُ؟» (الاحتجاجِ: ج2/ص52).
ثمَّ تأتي قاعدةُ المداراةِ، وهي التعاملُ بلطفٍ وحكمةٍ مع اختلافِ الطباعِ، من غيرِ تنازلٍ عن المبادئِ أو مداهنةٍ في الحقِّ، فالمداراةُ قوّةُ عقلٍ لا ضعفُ موقفٍ، قال رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله): «مدارةُ الناسِ نصفُ الإيمانِ» (الوسائلِ: ج8/ص540).
ومن القواعدِ المهمّةِ أيضًا، التثبُّتُ قبلَ الحكمِ، فكمْ من تصرُّفٍ أسيءَ فهمُهُ بسببِ العجلةِ وسوءِ الظنِّ، قال تعالى: ﴿يا أيها الذينَ آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظنِّ إنَّ بعضَ الظنِّ إثمٌ﴾ (الحجراتِ: 12). كما أنَّ اختيارَ الكلمةِ المناسبةِ يُعدُّ من أهمِّ مفاتيحِ المعاشرةِ؛ لأنَّ للكلمةِ أثرًا بالغًا في البناءِ أو الهدمِ.
ويضافُ إلى ذلكَ، التغافلُ عن الزلّاتِ الصغيرةِ، فليسَ كلُّ خطأٍ يواجهُ، ولا كلُّ إساءةٍ تقابلُ بمثلِها. ومن الحكمةِ أيضًا الموازنةُ بينَ اللينِ والحزمِ، بحيثُ لا يطغى أحدُهما على الآخرِ.
وخلاصةُ الأمرِ، أنَّ نجاحَ الإنسانِ في معاشرةِ الناسِ دليلٌ على نضجِه الأخلاقيِّ، وسلامةِ عقلِه، وسموِّ نفسِه.
2026-01-19
2026-01-18
2026-01-15
2026-01-14