الأسس العلمية في تربية المراهقين
2020/03/16
12
 إن مشكلة تربية المراهقين من المشاكل التي تؤرق الكثيرين من المهتمين بأمور التربية، حيث أن الأولاد يبقون حتى سن معينة، تحت قبضة الوالدين، لكنهما كثيراً ما يسيئان استثمار هذه السيطرة، ليندما بعد خروج الولد عن دائرة قبضتهما، زواجاً، أو هجرة، أو دراسة .. فكم من الحري بهما أن يعطيا للموضوع حقه من التفكير والوقت؛ إذ من المعلوم إن الولد الصالح من مصاديق الصدقة الجارية التي تنفعهما بعد الموت.

إن للإنسان تكوين بدنياً وتكويناً نفسياً، فكما أن هناك جسماً يتحرك فهناك روح تنمو؛ ولهذا فانه في الوقت الذي نهتم فيه بالنمو الجسمي لأولادنا، فانه يتحتم علينا أن نهتم بأرواحهم ونموها، هذا النمو الذي يبلغ أوج فورانه - تكاملا ً أو تسافلاً - في مرحلة المراهقة.

إن هناك عناصر مؤثرة في تربية المراهق وسلوكه، فمنها ما هو ذاتي: كالصفات الوراثية، والبنية النفسية والعقلية، ومن الواضح إن هذه الخصوصيات - رغم تميزها من فرد عن آخر حتى ضمن الأسرة الواحدة - لا تعني أبداً حالة من( الجبر) في تحديد سلوك الإنسان ومنها ما هو محيطي: كسلوك الآباء، والأقارب المنحرفين، والأصدقاء، والجو المدرسي، وأخيراً وسائل الإعلام المختلفة التي كثيراً ما أصبحت من الأدوات الشيطانية المسببة لانحراف أبنائنا.

إننا نلاحظ في حالات كثيرة سلامة التكوين الذاتي لدى الأبناء وعدم وجود خلل فيه .. ولكن - مع الأسف - نرى أن سلوك الأبوين داخل الأسرة: من حيث وجود خلاف أو نزاع بينهما، أو عدم التزامهما بتعاليم الشريعة، أو إهمال الأولاد داخل المنزل والانشغال عنهم بشؤونهم الخاصة، هو الذي يؤدي إلى نشوء أنواع من الخلل في سلوكهم الجوارحي والجوانحي، وبذلك يكونان في هذه الحالة، هما المؤاخذان اللذان يتحملان المسؤولية يوم القيامة.

نلاحظ أن بعض الآباء لا يعرفون من هم أصدقاء أبنائهم، وما هي توجهاتهم وميولهم، والحال أن هؤلاء هم الذين يرسمون سلوك الأبناء من حيث لا يشعرون، ولطالما رأينا إن الأهل يبذلون أقصى الجهود- نفسياً وفكرياً- لتربية ولدهم تربية صالحة حتى سن الثامنة عشرة، ولكن ليلة من الليالي الحمراء، أو سفرة إلي الأماكن المشبوهة، أو معاشرة منحرفة واحدة، تجعله ينقلب رأسا ً على عقب، ويا لها من خسارة كبرى!.. ولذا لا بد من مراقبة الأولاد مراقبة دقيقة وكاملة ما دام في ذلك صيانة لهم عن المفاسد، بمراقبة من يعاشرون، وأين يذهبون، واستخدام الفخاخ التربوية المناسبة في هذا المجال.

من المؤثرات المحيطية على سلوك المراهقين هو الجو المدرسي .. فمن الملاحظ أن المدرسة في هذه الأيام ترسم مساحة كبيرة من حياة الشاب.. ومع هذا فان من المؤسف أن بعض الآباء - من أجل التوفير المادي، أو القرب المكاني، أو ما شابه ذلك - يختارون مدرسة منحرفة، أو معروفة بالأجواء التربوية غير السليمة أو المختلطة، لتكون منبتا ً لأبنائهم.. والحال أن الأنفاق المادي في هذا المجال هو استثمار مضمون النتائج.. وهو أجدى بكثير من الأنفاق على كماليات الحياة.

من التوصيات العملية لتربية المراهقين هي الحوارية الهادفة، حيث نلاحظ أن الشباب في هذا العصر يملكون إطلاعا ً واسعا،  وقدرة تحليلية في عالم السياسة والاقتصاد والثقافة، وبما أن الساحة مليئة بالأفكار المستوردة، والانحرافات الثقافية، والمفاهيم الزئبقية التي يساء الاستفادة منها، فان من اللزام علينا أن نأخذ بيد الشباب الذين يعيشون شيئاً من الحيرة الفكرية التي هي من إفرازات الحرية الفكرية !!.. ولا يتم ذلك إلا بالنقاش مع صدر واسع، بدلاً من المواجهة والاتهام بالانحراف أو الكفر، فإن ذلك من موجبات العناد والتمسك بتلك المفاهيم ولو من باب التحدي والإغاظة !!. وقد جاء بما يقرب من هذا المضمون الشريف: ( أدّبوا أولادكم بغير أدبكم .. فأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم).

ومن التوصيات العملية للآباء: إنشاء حالة من الصداقة مع الولد، والابتعاد عما هو سائد في مجتمعات الشرق من أسلوب ( العصا والخيزران )، إن من شان هذه الصداقة ان تجعل الولد يشكو همومه إلى والديه - وهما الأعرف بما يصلحه - بدلاً من الالتجاء إلى الغرباء، كما أن على الأب أن يختار بنفسه المجموعة السليمة من الأصدقاء كشباب المساجد مثلاً، قبل أن يختار هو بنفسه بطانة السوء.

ومن التوصيات المهمة للآباء: هو إظهار حبهم ومشاعرهم ورضاهم للأبناء، والابتعاد عن الاتهام وسوء الظن !.. حيث يلاحظ أن الولد عندما يرى نفسه متهماً في المنزل، فإنه سيفقد الثقة بنفسه، ومن هنا ينبغي على الاب الذى يرى من ولده بادرة حسنة، أن يستثمر الفرصة ويشجعه ويمتدحه معبرا عن ذلك بفرحة وجائزة .. ومن المعلوم أن عامل الأجر والثواب من الأمور المشجعة حتى للبالغين، وهو ما نلاحظه أيضاً في مجال الحث على المستحبات من قبل الشريعة السمحة.
 
 






 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: برنامج مفاهيم من حياتنا - الحلقة الأولى- الدورة البرامجية51.
 










تحدث معنا
يمكنكم ايضا التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا