وقع الكلام وتأثيره في نفوس الطلبة
2020/02/18
173

أيتها المعلمة .. كم نتهلل بشرى ونسعد حين نراك تحملين بين طياتك نفساً صادقة وطموحاً صادقاً، ونفساً أبية متطلعة للإصلاح والتغيير، ولم يقف الحد عند هذه المشاعر، فها نحن نرى ثمرات جهدك، ونتاج عملك يتكلل نجاحاً زاهراً على سائر الطلبة.

فكثيراً ما سمعنا كلمات الثناء الصادقة من طالباتك، وكثيراً ما رأينا بصماتك ظاهرة عليهم، فهل فكرت أختي في عظم الموقع الذي تبوأته، والأمانة التي تحملتها، فذاك الرجل الطاعن في السن، وتلك المرأة الضعيفة قد علقوا آمالهم بعد الله عليك في استنقاذ ابنتهم وحمايتها، والمصلحون الغيورون يعدونك من أكبر الآمال في استنقاذ المجتمع، والأمة تبحث عن المنقذ لها ولأبنائها، وأنت أختي المدرسة جزء من محط آمال الأمة.

ألست راعياً أختي؟ ألم يقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

نعم إن وظيفة المدرس الرسمية، وعمله الأساس الذي يتقاضى عليه أجراً هو تدريس المنهج المقرر للطلاب، لذا فعليه أن يؤدي الواجب على أكمل وجه، فهو مؤتمن عليه، وأولى الناس برعاية الأمانة وحفظها ، فاحرصي أختي الكريمة على أداء واجب المنهج مراعية امورا عدة ومن هذه الامور على سبيل المثال:

- الاستيعاب الجيد للمادة العلمية.

- وامر اخر هو الاجتهاد في حسن عرض هذه المادة وإيصالها للطالب.

- وأيضا أداء ما يترتب على ذلك من الواجبات النظامية.

واعلمي أن من أهم عوامل قبول الطلاب لمدرسهم ومحبتهم له تكون في مدى نجاحه في إيصال المعلومات لهم، وأنت أيتها المعلمة حين تعتنين بذلك ليس دافعك هو كسب محبة طلابك فقط، بل قبل ذلك كله أداء الأمانة التي اؤتمنت عليها.

أليس من التناقض والمفارقات أختنا الفاضلة، أن يسمع الطلاب من مدرسهم التوجيه، والحث على معالي الأمور، ويرون منه الإخلال بواجبه وأمانته؟
بل سترين كثيراً منهم يفسر حرص هذا المدرس المقصر في أداء الواجب على التوجيه، أن ذلك محاولة لتعويض النقص والفشل الذي يعاني منه، ثم إن الإعداد العلمي جانبٌ مهم في بناء شخصية الطالب، والأمة تحتاج لمن يحمل العلم الواسع، والفكر الأصيل، والمنهج الدراسي إنما وضع لتحقيق أهداف محددة؛ فعناية المدرس بهذا الجانب مساهمة في البناء العلمي للأمة من خلال إعداد أبنائها، ومساهمة في تحقيق أهداف هذه البرامج التعليمية والتربوية.

نعم أيتها قد يتصور بعض المدرسين أن نتاجه إنما هو منحصر من خلال الطلبة الذين يتعامل معهم خارج الفصل الدراسي سواء عن طريق الأنشطة الدراسية أو غيرها، وهذا مجال له أهميته، لكنه ليس المجال الوحيد؛ فالكلمة التي يقولها المعلم في الفصل لا تذهب سدى، فالمدرس قادر على توجيه أفكار الطلبة، وتصوراتهم، واهتماماتهم، ولكلماته وتوجيهاته العامة مدى قد لا يدركه ولا يتصوره.

وخارج أسوار المدرسة لابد أن يوجد من يحمل أفكار المدرسة، وينقلها للآخرين، ويتحمس لها ربما أكثر من المدرس صاحب الفكرة، وذلك إنما يتم حين يقرأ الطلبة الاقتناع والحماس لفكرتك على قسمات وجهك، قبل أن تسمعها آذانهم، وتتجاوز توجيهاتك الكلام المجرد، والحماس العاطفي إلى قناعة تسري لديك.
فلا تحتقري الكلمة أو تستهيني بها ؛ فكثير هم أولئك الذين كان لكلمة واحدة أثرها في توبتهم ورجوعهم إلى الله، أو توجههم للعلم وعنايتهم به، أو ضبط مسارهم، فلا تحرمي نفسك هذا الخير.

وقد نتصور أن جهدنا قد ذهب سدى، وأن كلماتنا قد انتهى مداها حيث نطقنا بها، لكن هناك كلمات تبقى بذرة خفية، تؤتي ثمارها في الوقت الذي يشاء الله؛ فقد يسمع شاب مُعرض كلمة ناصحة من معلمه فتقع موقعاً من قلبه، ويقصر مداها عن أن تؤثر في سلوكه، ولكن هذه البذرة لا تزال معلقة في القلب، حتى ييسر الله لها الغيث فتؤتي ثمارها بإذن الله ولو بعد حين.

ومثل ذلك أيضاً فتاة تعيش أوج مراهقتها، وعنفوان صبوتها، فتسمع من مدرستها كلمة تستقر في سويداء قلبها؛ لتبقى حتى يأذن الله بسقيها واستوائها على سوقها.

- أن التلقي هو فرع من فروع المحبة:

فإن للعلاقة بين التلقي والمحبة من الاتصال قدراً أكبر مما قد نتصور أحياناً، فمن لم يغرس المحبة له في نفوس الطلاب فكثيرٌ مما يقوله ستكون نهايته عندما يتلفظ به، ولن يأخذ طريقه نحو القلوب، فضلاً عن أن يتحول إلى رصيد عملي.

ومهما بلغ الإنسان في التأثير وقوة المنطق ورصانة الحجة، فلن يكون بالطبع أعلم، أو أفصح، أو أكثر تأثيراً من النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومع ذلك قال الله سبحانه في شأنه: (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك).

فهو "صلى الله عليه واله وسلم" مع ما أتاه الله سبحانه من وسائل التأثير، ومع شعور الناس أن الحق معه وحده مأمور بأن يلين لأصحابه وإلا انفضوا عنه، فكيف بغيره ممن يحمل قائمة طويلة من صفات القصور والنقص؛ فهو حين لا يحظى بقبول تلامذته له سيرون فيه من القصور ما يدعوهم لرفضه وإهمال ما يقول؛ بل إلى تفسير نصحه وتوجيهه على غير وجهه.

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: اللبنة الأولى- الحلقة الأولى.

 

 

 

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا