مستويات الطلبة ومصداقية الدرجات
2020/02/22
192

  تعد درجات الطلبة من أهم محصلات العملية التربوية والعلمية، وهنا سنتحدث عن جانب بسيط منها، فالحديث ذو شجون... على امتداد العام الدراسي، وفي كل اجتماع تربوي، أو ندوة على مستوى الإشراف أو الإدارة أو الهيئات التدريسية، لا زلنا نسمع ومنذ عهد بعيد الوصية المتكررة: (ابتعدوا عن الدرجات اليائسة، وتجنبوا الدرجات الحرجة)، مع مختلف التبريرات التي يُدلى بها تأييداً لتبني هذه الفكرة، بدعوى أن ذلك يصب في مصلحة الطلبة، فتارة يقولون هذا يؤثر على الطلاب نفسياً، وتارة يقولون هذا من باب فسح المجال للطلبة لتعديل مستوياتهم.

 وقد ثبت بالتجربة العملية أن ذلك لم يحصل إلا في فروضٍ نادرة جداً، ومما يؤسف له أنَّ درجات الطلاب تخضع لكثير من المؤثرات، فمثلاً نجد طلاباً ممن يرسبون بسبب ضعف مستوياتهم، ينجحون لتوسط المحسوبية والمنسوبية، ولبعض مدراء المدارس لمساتهم الواضحة، حيث لا تخفى براعتهم في الإلحاح على (بعض) المعلمين والمدرسين وليس كلهم، بمختلف الأساليب، مختلقين شتى الأسباب لتغيير وتزييف الدرجات من الحق إلى الباطل، حيث تتدخل هذه العوامل وغيرها في وضع الدرجات وبشكل خارج عن حدود المعقول أحياناً..!

وعجباً لقولهم: (ماذا سيحصل لو أضفت بعض الدرجات للطلاب؟ هل ستعطي من جيبك ذهباً؟!) وليت الأمر يقف عند هذا الحد، بل إن المعلمين والمدرسين ملزمون (بحسب القانون والتعليمات التربوية) بإعطاء الطلاب (30%) من الدرجة في الإمتحانات الفصلية، حتى وإن لم يشتركوا في الامتحان: (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى).

ومما يذكر في هذا المجال، هو طريقة تقسيم درجات النشاط اليومي، فقد وضع للحضور (25 درجة)، وللسلوك (25 درجة)، فلو كان الطالب-الضعيف علمياً- بلا غياب، وذو سلوك حسن، فسيحصل على (50 درجة)، وهذا وإن كان جيداً من الناحية التربوية، ولكنه يسبب مشكلة من جانب آخر وهي أن الطالب لا يُقيَّم في امتحان نصف السنة والامتحان النهائي إلا من جانب واحد وهو الجانب العلمي فقط والمتمثل في إجابته عن أسئلة الامتحان، مما يؤدي إلى فرق واضح وكبير بين درجات الفصلين الأول والثاني، ودرجات امتحان نصف السنة والامتحان النهائي، وبالتالي يحاسب المدرس ويستجوب من قبل إدارة المدرسة والسادة المشرفين عن سبب فروق الدرجات هذه..!! كما يحاسب المدرس أيضا عن انخفاض نسبة النجاح حتى لو تغيب الطلاب عن الامتحان، فاسمع وتعجّب..!!

ومن حقنا أن نتساءل: أين الأمانة في درجات الطلبة؟ وهل من العدل والإنصاف في شيء أن يُكافأ الطالب المقصِّر في أداء واجباته والذي حصل على درجة هي دون العشرين غالباً، ويُعطى درجة قد تتجاوز الأربعين أو الخمسين أحياناً في الوقت الذي يُعطى من حصل على الثلاثين أو الأربعين درجة عينَ درجته التي حصل عليها دون زيادة، فيكون الجيد والمتوسط والضعيف من الطلبة على حدِّ سواء..! لعل جمعاً كبيراً من المعلمين والمدرسين والتربويين يرى أن أسلوب تقييم الطلاب بهذا الطريقة خارج عن نطاق المنطق، مما يؤكد أن العملية بأغلب جوانبها مبنية على أسس واهية وجوفاء عملت من قريب أو بعيد على انحطاط التعليم وفقدانه لمكانته السامية التي يفترض أن يكون فيها، وسيفتح الباب للطلاب بترك التوجه الحقيقي نحو التعلم الفاعل، وذلك لتعودهم واعتمادهم على هذا النوع من القرارات، وبالتالي سنخلق جيلاً مشلولاً من الناحية الفكرية، لا يشعر بالمسؤولية تجاه التحصيل العلمي وأهميته.

وهنا نُذَكّر بوصية أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن ذلك تزهيد لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريب لأهل الإساءة على الإساءة، فألزم كلا منهم ما ألزم نفسه) ولو تنزَّلنا - ولن نتنازل أبداً ! - أن في ذلك نوعاً من تشجيع الطلبة، وتحفيزهم لتحسين مستوياتهم، وإعطائهم فرصة لتعديل درجاتهم، وعلى فرض (مساعدة) الجميع بنسب متقاربة، فهل ستتسم الدرجات المعطاة بشيء من المصداقية المعبرة عن المستوى الحقيقي للطلاب بصورة عامة؟! وهل التهاون في وضع الدرجات وعدم الشدة فيها هو مما يسهم في إنجاح العملية التربوية والعلمية، أم أن ذلك مما يقضي عليها بل ويجتثها من الجذور؟ وما قيمة الجهد الذي يبذله المعلمون والمدرسون في صياغة الأسئلة، واختبار الطلبة، وعملية التصحيح المجهدة، ولا يؤخذ بعدها بالنتائج المترتبة على ذلك كله؟ ألا يعتبر ذلك مضيعة للوقت وعبثاً لا جدوى منه؟!

ثم ألا يكون من حصل على درجات أفضل وأعلى هو أجدر وأولى بالتشجيع من غيره؟! نسأل الله تعالى التوفيق للجميع، وعذراً إذا جَمَحَ القلم: (إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصلَاحَ مَا استَطَعتُ وَمَا تَوفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإلَيهِ أُنِيبُ)/ (هود: 88).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: مجلة صدى الروضتين/ 262- صحيفة مستقلة نصف شهرية تصدر عن قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة/ شعبة الإعلام.

بقلم: صادق مهدي حسن. 

 

 


تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا