السبل التي تقود المعلم الى طريق النجاح في سلك العملية التربوية
2020-07-28 10:40:01
31

لا غرو من أن مهنة المربي تعد من أنبل المهن البشرية وأكثرها تأثيراً في المجتمع فالمربي أينما كان في المنزل أم المدرسة أم المحاضن التربوية الأخرى فهو يعمل على إعداد جيل في المجتمع ومن يدري أيتها الأخوات ربما بين صفوف ذال الجيل العالم والطبيب والمهندس وغيره من التخصصات الأخرى وأن أتقن المربي عمله كانت ذاك العالم وذاك الطبيب أكثر فائدة لنفسه ولمجتمعه وأكثر نجاحاً في عمله المستقبلي.

في البدء إذا أراد المعلم أن يكون مربي ناجح عليه أن يتصف بصفات المربي الكاملة دون انتقاص لأي منها؛ لأن تلك الصفات تعد كلا موحداً وأي حلقة تفقد ستزعزع السلسلة وتجعلها أقل متانة وأقل فائدة لما تحتضننه داخلها.

ومن هذه الصفات ينبغي أن يكون الكلام الذي يصدر منه عذباً لكي يؤثر في القلوب وأن يعرف المتحدث ذهنية السامع حتى يتكلم بمستوى فهمه، كما ينبغي ان يكون الكلام بليغاً فصيحاً، ونحن نعاني من هذه المشكلة بشكل كبير، قال أمير المؤمنين(ع) في نهج البلاغة: (الإنسان مخبوء تحت لسانه) فأحياناً يكتسب الإنسان احتراماً بإلقائه جملة أو جملتين حتى وإن كان أميّاً، ويوجد أيضاً، في قباله بعض، مع علمهم الكثير ليس لديهم القدرة على البيان وليس باستطاعتهم نقل أفكارهم إلى الآخرين.

كما وينبغي على المعلم أيضاً أن لا يكون كسولاً، وهذا ما أكد عليه الإسلام؛ فلا ينبغي لكل مسلم أن يكون كسولاً، لقد قال الإمام موسى بن جعفر(ع): (إياك والفشل فإنهما يمنعانك من خير الدنيا والآخرة) فلو دخل المعلم قاعدة الدرس متكاسلاً فإن هذا سيؤدي إلى كسل التلاميذ؛ إذ كيف يمكن للمعلم هذا أن يدرّس؟

من السبل الاخرى لنجاح المعلم ايتها الفضليات قدرته على ضبط النفس بمعنى سعة الصدر والمقدرة على حل المعضلات، وقد ورد في الروايات: (آلة الرئاسة سعة الصدر)، والمعلم بحاجة إلى سعة الصدر، ولو أنه فقد هذه الآلة لأصبح كالنجّار بلا منشار، أو الكاتب بلا قلم.

والقرآن الكريم يبيّن لنا هذا الشيء في قالب قصصي، مخاطباً النبي موسى (ع) لدى بعثه: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً ليّناً لعلّه يتذكر أو يخشى)  فلم يطلب موسى جيشاً جراراً لمقابلة فرعون وإنما قال: (رب اشرح لي صدري) حتى أتمكن من مواجهة المعضلات (ويسّر لي أمري) حتى تسهل الصعاب، (واحلل عقدة من لساني) حتى أتمكن من التكلم بيسر أمام الآخرين.

نعم إن المعلم الذي يتأثر ويضطرب لأدنى شيء سيفشل أكثر تلاميذه، والأب الذي لا يملك أعصابه سيحدث الخلاف في بيته وكذلك الأم التي لا تمتلك سعة صدر فلن تتمكن من تربية أولادها تربية صحيحة. وقد قال أمير المؤمنين(ع): (الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها خلق كثير، الدنيا يومان يوم لك ويوم عليك)، فعلى المعلمين أن يضبطوا أنفسهم وأن لا يغضبوا أبداً ولا يستسلموا أمام المشاكل، إن أهم شروط لياقة المعلم هي سعة الصدر.

كما وأن المعلم اذا أراد أن ينجح في مهنته فعليه بالإخلاص، وهو أن يكون عمله منصباً في رضا الله، حتى وإن أفاد المجتمع من الناحية الثقافية، لكنه خلو من الثواب، فلو أردتم الدنيا والآخرة فاصبغوا أعمالكم بصبغة الإخلاص لله، فعندما يذهب المعلم إلى قاعة الدرس ينبغي مستمعتي لا يكون هدفه أن يحصل تلاميذه على درجات عالية ليمتدح من قبل مديره بل ليذهب وهو على اعتقاد بأن هؤلاء الفتية أمانة بيده، وأن سعادة الجيل القادم رهن بهم، وأن لو بذل جهداً في تعليمهم فسينالون درجات عالية تفرحهم وتسر آباءهم، وهذا الاعتقاد سيضفي لوناً آخر على الصف، وسترفع من قيمته بالدرجة التي لا يضارعه فيها حتى المسجد.

واخيرا مستمعتي على المعلم في الصف أن يعطي للتلاميذ كرامتهم من خلال تشجيعهم وملاطفتهم، هذه من الوظائف الثقيلة والأعمال الشاقة، وبعكسها فإن إهدار كرامته عمل بسيط يمكن التوصل إليه بكلمة واحدة، كما أن سورة (عبس) درس لكل شخص وخاصة المعلمين. وإن شأن نزول هذه الآية مستمعتي هي أن الرسول(ص) كان جالساً مع جماعة فهيا شخص متمول، فدخل عليهم فقير أعمى إلا أنه متدين اسمه (ابن مكتوم)، يتلمس الأرض بعصاه، وجلس إلى جانب المتمول فاستاء هذا الأخير وجمع ثيابه عنه فقال الرسول (ص) له متألماً: (أخشيت أن يصيبك شيء من فقره)؟ فقال: (لا يا رسول الله)! فقال له الرسول: (لماذا أقدمت على هذا العمل)؟ فقال المتمول متأثراً: (يا رسول الله، إني أهبه نصف أموالي حتى يرضى عني وتعفو أنت عني)، فالتفت الرسول إلى ابن مكتوم وقال له: (أتريد أن تكون ثرياً)؟ فقال ابن مكتوم: (كلا، أخشى إن صرت غنياً، أن أغدو متكبراً مثله).

تقول لنا آيات هذه السورة: إن للشخص كرامة ينبغي احترامها وعدم إهدارها.

نعم إن المعلم وحده هو الذي يمكنه وضع الحجر الأساسي لكرامة الفرد، وهو الذي يمكنه إهدار كرامته بالنحو الذي لا يتمكن معه من إعادتها إليه حتى أبواه.
فاذا اتبع المعلم هذه السبل التي ذكرناها في حلقة هذا الاسبوع سيكون بإذنه الله سائراً على طريق النجاح، ليس في مهنته فقط بل نجاح في الاخرة ايضا مكللة برضوان الله وجنته.

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: برنامج المورد العذب-الحلقة الرابعة- الدورة البرامجية57.

 

 

 

 

تحدث معنا
يمكنكم ايضا التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا