سوء الخلق ظاهرة تنفر منك الآخرين
2020/03/16
56

إن من العيوب الخلقية والعادات غير المرضية ما يسبب تزلزل أسس المحبّة ويجرّ الى انقطاع حبل المودة بين الأودّاء هو سوء الخلق، فإن ذا الخلق الخشن الذي لا يأتلف ولا يؤتلف يوجد بين نفسه والاخرين جداراً لا يتمكن معه أن يبصر أنوار الوداد، كما أن سوء الخلق يقلل من قيمة المرء ويحطّم أسس سعادته وهنائه.

 ولا شك أن سيء الخلق ينفر منه كل أحد، فإن الإنسان يتألم من معاشرة من لا يأنس به ولا يتناسب معه، وهذا ما يسلب صاحبه امكانيات كثيرة كان ـ لو لا سوء خلقه ـ يستطيع أن يستفيد منها في سبيل تقدمه في الحياة.

يجب على الإنسان الذي يريد أن يتعاشر مع الاخرين أن يتعرف على أمور تشترط في فن المعاشرة، يجب أن يتعلمها الإنسان مسبقاً ثم يعمل على طبقها في الحياة وينتهي طبقها عن أمور تباين السنن الصحيحة في المجتمع، وبدون ذلك لا يتحقق للفرد أن يعيش بين المجتمع، ولا تتكامل الاخلاق العامة بينهم إن حسن الخلق أول شروط السعادة بين الناس، وانّه عامل في رفع مستوى شخصيّته الإنسان الى أعلى، وهو يتيح للانسان أن يستفيد من جميع قواه، وله التأثير التام في ادارة حياة المجتمعات، ولا تصل أيّة صفة أخرى من صفات الإنسان الى ما عليه هذه الصفة من استجلاب عواطف الاخرين، والتقليل من آلامهم في الحياة.
إن الذي يتمتع بهذه الروحية الإنسانيّة العالية لا يرى الاخرين وجهاً عبوساً يمكنهم أن يبلغوا الى اغوار آلامه من ورائه، بل انه يسعى دائماً أن يخلق حوله هالة من النشاط والسرور ينسى الناس بما يخلق لهم من الطمأنينة آلامهم، وهو يحفظ الطمأنينة في نفسه على رغم مشاكل الحياة فيصل بها السى الفلاح والنجاح.

إن حسن الخلق أقوى عامل له الاثر القاطع في تأمين التوفيق للافراد في الحياة، فليس بحاجة أن نقول ان تقدم شركة تجارية ـ مثلا ـ يرتبط بحسن أخلاق العاملين فيها بنسبة كبيرة، انّ مدير أيّة مؤسسة لو كان ذا اخلاق طيبة فهو بالاضافة الى أنّه يتمتع بقدر كاف من النشاط سوف يجذب الى نفسه عدداً كبيراً من المراجعين.

يقول أحد الشعراء:

بحسن خلقك جادلهم فتصحبهم ... فلا يصيد ذكيّ الطير إلاه

إن حسن الخلق هو سر المحبوبية عند الناس، فان الناس لا يتحملون سوء خلق أحد مهما كانت منابعه وأسبابه، انك لو أمعنت النظر في سيرة من يعاشرك التفت الى السبب الكامن في عدم نفوذ حب بعضهم الى قلبك وامتلاك بعضهم الآخر لقلبك بأخلاقهم وصفاتهم.

يذكر أحد علماء الغرب تجربة شخصية في مورد حسن الخلق يقول « عزمت على تجربة أثر نشاطي وطلاقة وجهي على نفسي ـ وكنت منذ مدّة حزيناً كئيباً ـ فخرجت بهذا العزم من بيتي، وقلت في نفسي لاحظت مراراً أن نشاط غيري وطلائة وجوههم مما يمنحني قوة ونشاطاً، فعلي أن أعلم هل أستطيع أنا أيضاً أن أؤثّر هكذا في الاخرين أم لا ؟ وكنت في اثناء الطريق أكرّر في نفسي عزمي على النشاط وطلاقة الوجه، وكنت أحاول أن أقنع نفسي أنّي سعيد الحظ جداً، وبتأثير من هذه الايحاءات النفسية أحسست راحة في بدني، وكأني بنفسي أطير فرحاً وسروراً، وأنظر الى ما حولي مبتهجا مبتسماً . ولكني كنت أرى حولي وجوهاً قد ارتسم عليها ملامح الافكار الكئيبة، فكان يتحرق قلبي حزناً عليهم، وأتمنى لو كنت أستطيع أن أمنحهم شيئاً مما في قلبي من لمعات النور والضياء، دخلت الى مكتب عملي فسلمت على المحاسب بكل نشاط، وحيث لم أكن قبل هذا اليوم بذلك النشاط فلم أكن في سائر الايام أسلم عليه هذا السلام حتى ولو كنت أنقذ به حياتي، ولم يتمالك المحاسب إلا أن أبدي لي حرارة وعاطفة شديدة، أحسست من خلال ذلك ان نشاطي قد سرى اليه . وكان رئيس تلك الشركة التجارية التي كنت أعمل فيها من أولئك الذين يلتزمون اعمالهم بحيث لا يرفعون الى من حولهم، وكانت له أخلاق خشنة، فأنّبني ذلك اليوم في شأن عملي تانيباً شديداً لو كان ذلك في غير ذلك اليوم لم أكن أتحمله، اذ كنت رهيف الحس شديد الإحساس، ولكن حيث كنت عزمت ذلك اليوم على أن لا أتأثّر من أيّة حادثة أجبته جواباً بسط من على محياه من التجاعيد ما كان قد قطب به في وجهي، وكانت هذه القضيّة ثانية الحوادث لي في ذلك اليوم. والى المساء من ذلك اليوم حاولت أن أحتفظ بنشاطي لنفسي ولمن حولي من زملائي في العمل.

وبنفس هذه الطريقة توفقت أن أجرّب هذه العمليّة في العائلة التي كنت أقيم بينها، فكان أثر تجاربي أن بدى على من لم أكن أشاهد فيه من قبل سوى الفتور والاهمال علائم العواطف والتلاحم، وعلى أثر تجاربي المتعددة اكتشفت أنّي أستطيع أن أكوّن بهذه الطريقة نشاطاً لنفسي وأوحي لمن حولي بذلك أيضاً .





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: برنامج درر الأخلاق - الحلقة الخامسة.

تحدث معنا
يمكنكم ايضا التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا