أخلاقيات تقديم المعروف الى الآخرين
2022/01/01
210


 قال أمير المؤمنين(عليه السلام): "أحيوا المعروف بإماتته، فإن المنّة تهدم الصنيعة".

يؤكد أمير المؤمنين(عليه السلام) على شرط من شروط خدمة الناس وهو عدم المنّة كاشفاً عن وجود نوعين من المعروف أحدهما ميت والآخر حي والأول ما يتبعه صاحبه بالمنّ والأذى والتفاخر وإظهار أنه صاحب النعمة على المحتاج، والثاني ما ينسى صاحبه إنه قام به ولا يظهر على الآخرين بثوب العلو وصاحب العطايا، ويد الإغداق، بل يحرص ويدأب على عدم معرفة أحد بأنه قدّم خدمات لأخيه أو جاره، ولا يكثر الحديث مع نفسه في هذا الشأن، بل يتناسى ويذكر معروف الآخرين معه كما أوصاه سيد الأوصياء عليه السلام في قوله: "إذا صنع إليك معروف فاذكر، إذا صنعت معروفاً فانسه، فالذي نستفيده هنا أن علينا حينما نقدّم مساعدات ونقوم بواجب الخدمات أن نراعي شعور الآخر ونلتزم بآداب الخدمة، فإذا تبّرع أحدنا لآخر بمبلغ من المال كي يصرفه في نفقة تعليم أولاده وتسديد الأقساط المدرسية المتوجبة عليه، لا يسوغ له كلما رآه في مكان أن يقول له: "أنا الذي علّمت أولادك ولولاي لكان أبناؤك أميّين والفضل كله لي".

ويؤذيه بكلمات من هذا القبيل، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ويبيّن لنا القرآن الكريم أن الخطاب اللائق والكلمة الطيبة أفضل من المساعدة والصدقة المتبعة بالمنّ والإيذاء، فمما ينبغي في خدمة الناس‏ عدم المنّة ومن مصاديق المنّة التحدّث الدائم بأنه قدّم مساعدات للعائلة الفلانية مثلاً، كذلك لابد من اجتناب تعظيم الخدمة، والمراد هنا أن لا يرى أن الخدمة التي قام بها للآخرين هي عظيمة وكبيرة بل لا يستكثر شيئاً في هذا الميدان لأنه مهما أنفق من مال أو بذل من جهدٍ فهو لا شي‏ء بالنظر إلى ما ينتظره من البدل الإلهي والنعيم المقيم، وهو لا ينتظر في مساعدته الناس أن يبادلوه بالشكر والثناء وإنما ينتظر ما أعدّه اللَّه تعالى له من ثواب فهو في ذلك يحسن لنفسه وللآخرين، فالذي ينبغي أن يستصغر المعطي عطيته والخادم خدمته ليعظم عند اللَّه وإن استعظمها صغرت عند اللَّه إضافة الى ضرورة إتمام الخدمة.

فجاء في الحديث: "جمال المعروف إتمامه فقد يقوم الإنسان بمعروف مع أخيه لكنه لا يكمله بل يتركه ناقصاً نتيجة تضجره أو عدم صبره إلى نهاية الطريق معه سيما إذا كان هذا المعروف يحتاج إلى صرف وقت طويل وقد يكون مثابراً ومتحملاً حتى إتمام معروفه على أحسن وجه وأجمل صورة فلا يهدأ له بال حتى ينجزه كاملاً ويرى أخاه مرتاحاً لقضاء حاجته ووصوله إلى مرامه المأمول وهذا هو المطلوب لأن إتمام المعروف ليس أقل أهمية من ابتدائه والمبادرة إليه، بل على العكس الاتمام أفضل، كما ينبغي اتمام الخدمة كذلك لابد من تعجيلها حيث لا يليق التباطؤ في تقديم الخدمة للإخوان وينبغي التعجيل بالخدمة كما ورد في حديث مولانا الصادق(عليه السلام) المتقدم: "رأيت المعروف لا يصلح إلا بثلاث خلال: تصغيره وتستيره وتعجيله"
وقد ورد أن كمال العطية تعجيلها ذلك أن تأخير الحاجة عن وقتها بفوت بهجة تحصيلها ولذا ورد: "وتعجيلها لتهنى‏ء".
لا بد  أيضا من الاستعداد الدائم للخدمة ويقصد بذلك ما يشمل المستويين النفسي والمادي وعليك بالتقرب إلى اللّه بها: فإن أهم أدب من آداب قضاء حوائج الناس هو إخلاص النية فيها للّه عز وجل، لذا فقد ضرب اللّه لنا مثلاً لهذا الإخلاص بأهل البيت(عليهم السلام) حينما تصدقوا بطعامهم على المسكين واليتيم والأسير فقال: " إنما نطعمكم لوجه اللّه لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً".

روي عن ميمون بن مهران، قال: كنت جالساً عند الحسن بن علي (عليهما السلام) فأتاه رجل فقال له: يا بن رسول اللَّه إنّ‏َ فلاناً له عليّ‏َ مال، ويريد أن يحبسني.
فقال (عليه السلام): واللَّه ما عندي مال فأقضي عنك.
قال: فكلّمه.
قال: فلبس (عليه السلام) نعله، فقلت له: يا بن رسول اللَّه أنسيت اعتكافك؟
فقال: لم أنسَ ولكني سمعتُ أبي عليه السلام يحدّث عن رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "من سعى في حاجة أخيه فكأنّما عبد اللَّه عزَّ وجلّ‏َ تسعة آلاف سنة، صائماً نهاره، قائماً ليله"
والأحاديث كثيرة في ثواب قضاء حاجة المؤمن، وهذا من مميّزات الإسلام، فقد جعل المسلم يهتم بشؤون المسلمين.

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: برنامج ترانيم الغدق-الحلقة الحادية عشرة-الدورة البرامجية66.




تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا

فقاعة

2022-05-27