المقوِّمات الاقتصادية للأسرة
2019/12/22
1250

لقد حاول الكثير من رجال الاقتصاد وعلماء الاجتماع الاستعانة بدراسات متعددة؛ للتأكيد على أنَّ الأسباب الرئيسة والأولية للانحرافات الاجتماعية تنبع من العوامل والقوى الاقتصادية في المجتمع. ومن خلال هذه الدراسات تم الإجماع على أنَّ معظم المجتمعات الحديثة تقوم حول أيدولوجية اقتصادية أساسية، وأنَّ تفسير المشكلات الاجتماعية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بفشل النظم التكنولوجية والاقتصادية في القيام بوظائفها، والعجز عن ضبط النشاط الاقتصادي وتوفير السلع والخدمات الكافية لكل فرد من أفراد المجتمع. ولقد ظهرت مجموعة من التفسيرات الاقتصادية المطلقة للإصابة بالأمراض العقلية والنفسية وغيرها من المشكلات الاجتماعية، وقد أسهمت هذه الدراسات بنتائج إيجابية أكدت على أنَّه إذا تم التخلص من البطالة، وإزالة الفقر، والسيطرة على التقدم الآلي بصورة ملائمة، وتوفير المسكن الصحي لكل أسرة، فسوف تدخل الإنسانية في العصر الاجتماعي السعيد الذي يخلو فيه المجتمع من كل المشكلات الاجتماعية.

ومما لا شكَّ فيه أنَّ الفقر هو الحالة التي لا يكفي فيها دخل الأسرة لإشباع حاجاتها الأساسية المتغيرة للمحافظة على بنائها المادي والنفسي والاجتماعي، وله آثار سلبية خطيرة على الجوانب الصحية والثقافية من حيث نوع الثقافة السائدة في حياة الأسرة ومدى توفر فرص التعليم، والفقر قبل كل شيء هو الذي يحرم الأسرة من المشاركة الاجتماعية في جميع المجالات الحياتية، سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية.

إنَّ تأثير الفقر ليس منفصلاً عن بقية العوامل النفسية والاجتماعية؛ إذ أنَّه يؤثر ويتأثر بمستوى الطموح لدى الأسرة، وبالوضع الطبقي والثقافة السائدة في المجتمع، كما يؤثر تأثيراً ملحوظاً في عملية الاتزان النفسي وفي علاقة الفرد بالأسرة والبيئة المحيطة به. فلقد أثبتت مجموعة من الدراسات أنَّ الفقر أحد الأسباب الرئيسة لجميع أنواع الانحرافات الاجتماعية بمختلف أشكالها وأنواعها، وأنَّ الفقر يؤثر بصورة ظاهرية على الفرد مما يجعل بعض المجتمعات لا تكترث لحالة هذا الفرد، إلا أنَّه في حقيقته يحمل بالغ الأثر على المجتمع. وأما عن ميزانية الأسرة، فتتمثل ميزانية الأسرة في أبسط صورها في قيام الأسرة بتقدير الدخل الذي تحصل عليه ومحاولة توزيعه بين أوجه الإنفاق أو بين السلع والخدمات التي يتضمنها الاستهلاك بصورة تحقق أقصى منفعة ممكنة وبأقل نفقة ممكنة. ولكن الأسرة كثيراً ما تقع في مشكلات مادية لا ترجع إلى عدم كفاية الدخل أو عدم تناسبه مع مطالب الأسرة، بل ترجع إلى أنَّ الأسرة تعمد إلى زيادة نفقاتها فوق حدود مواردها، وتتحدى قلة الدخل النسبي بأساليب سلبية كالاقتراض مثلاً بدلاً من الإنفاق في حدود الدخل أو العمل على زيادة إنتاجها واستغلال الطاقات المعطلة فيها ويستثنى من ذلك الفئات العاجزة عن تدبير الحد الأدنى الضروري للمعيشة. وعندما تفشل الأسرة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي يؤدي بها الموقف إلى نوع من الصراع يقوم بين أعضائها من جانب وبين البيئة الخارجية من جانب آخر، وهذا الصراع يولد أربعة أنواع من التصرفات هي:- 1-العدوان:- وهو في جوهره يعبر عن حاجة الأسرة إلى القيام بفعل معين في ظروف غير ملائمة، ويستهدف هذا السلوك مقاومة هذه الظروف وتجنبها أو محاولة قهرها والتغلب عليها، ومن مظاهر وجود الاتجاهات العدوانية في الأسرة إزدياد الشجار والخلافات بين أفرادها أو النقد المتطرف لربِّ الأسرة أو ازدياد الاحتكاك بين الأسرة وجيرانها، أو ترديد الشكوى المستمرة.

 2- النكوص:- وهو اللجوء إلى حل المشكلات بطرق سلبية تزيد من إغراق الأسرة في المشاكل طويلة الأمد، ومن أهم مظاهر هذا السلوك الاعتماد على الاقتراض والإسراف في المطالب دون تقدير لموارد الدخل، أو الاعتماد على الأقارب والجيران والشعور بالغيرة الشديدة والحسد للأُسر التي تتمتع ببعض المزايا الاقتصادية.

 3- الجمود:- وهو استمرار الأسرة في اتباع نوع معين من التصرفات وأسلوب المعيشة وعدم القدرة على إيجاد حلول إيجابية للمشكلة وفي الوقت نفسه عدم التخلي عن العادات والتقاليد التي تدعو إلى الإسراف والاهتمام ببعض المظاهر الاجتماعية لتقليد الآخرين.

4- القنوط:- وهو الإحساس الذي يراود أفراد الأسرة بعد مرور مدة من الزمن على المشكلات الاقتصادية دون حل أو تحسين، ويتحول هذا الإحساس تدريجياً إلى حالة من الكراهية تنصبُّ على الأسرة ذاتها وتزعزع ثقة الأسرة بنفسها فتنتهي إلى الانطواء أو في بعض الأحيان إلى التفكك الأسري.

أما عن الأزمات الاقتصادية والأسرة، فمن بين الدراسات التي أُجريت في هذا المجال دراسة تناولت أثر تدهور الدخل بصورة فادحة خلال أوقات الكساد أو في حالة البطالة على العلاقات الأُسرية، وقد تبيَّن أنَّ قدرة الأسرة على القيام بالتوافق الضروري دون حدوث أضرار للعلاقات الشخصية المتبادلة يتوقف على درجة ارتباط أعضاء الأسرة بمستوى معين للمعيشة، فإذا تأثرت بعض المستويات المادية التي تعدها الأسرة ذات أهمية في حياتها كانت النتيجة تدهور العلاقات الأسرية وتفكك الروابط التي تربط أعضاء الأسرة ببعضهم الآخر.







ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: برنامج المدرسة الأولى - الحلقة العاشرة - الدورة البرامجية 27.

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا