الأزمة إدارياً هي: ظاهرة غير مستقرة تمثل تهديداً مباشراً وصريحاً لبقاء المجموعة، يتميّز بدرجة معينة من الخطورة، ولاشك في أن السيدة زينب (عليها السلام) مرّت بعد ظهر يوم الطف بأزمة لم تمر على غيرها نظيرها! وقد تعاملت معها من خلال عدة مراحل:
(مع ملاحظة: أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان في كل هذه المراحل قائداً صلباً وسنداً منيعاً للسيدة زينب (عليها السلام)، إلا أني سأسلط الضوء عليها فقط لاعتبارات موضوعية).
1- احتواء الأزمة: في هذه المرحلة يفترض بقائد الأزمة حصرها في نطاق محدد وتجميد أضرارها عند الحد الذي وصلت إليه؛ ليضمن عدم وقوع أضرار جديدة، وهو ما قامت به السيدة زينب (عليها السلام) على صعيدين:
الأول: لم شمل من بقي من العيال وتجنيبهم الخطر، والنقطة البارزة على هذا الصعيد تضحيتها بنفسها ذوداً عن الإمام السجاد (عليه السلام) في أكثر من مورد، نعم، الإمامة أمر تكفل الله تعالى بحفظه، ولكن أبى الله إلا أن تجري الأشياء بأسبابها: وهذا إن كشف عن شيء فإنما يكشف عن مدى خطورة الأزمة التي تعاملت معها السيدة زينب (عليها السلام).
الثاني: الحيلولة دون وقوع مضاعفات -ولو معنوية- على العيال، ومن جملة تدابيرها في هذا الصعيد طلبها حمل الرؤوس المباركة أمام الركب عند دخول الشام؛ لينشغل الناس بها دون السبايا.
2- استعادة النشاط: من خلال استعادة المعنويات لإيجاد فرصة لتكاتف الجماعة المتبقية وتماسكها، ولعل من أبرز مواقفها في هذا المضمار مقولتها الشهيرة: «اللّهم تقبّل منا هذا القربان»، فهي (عليها السلام) تريد بذلك إلفات الأنظار إلى الجانب المنير فيما حصل؛ إذ التركيز على الجانب المظلم فقط يؤدي إلى الانهيار، وليس من اليسير على من يقع في مثل تلك الأزمة الرهيبة أن يلتفت إلى الجانب المضيء، فأرادت أن توجههم بنفسها إلى ذلك، ومثله قل في أدائها صلاة الليل -في الليلة الحادية عشرة- معلنة أن المبادئ هي التي انتصرت بدليل ديمومتها.
3- تقنين الأزمة: منذ هذه المرحلة تبدأ المواجهة مع مسبب الأزمة، والتقنين هنا يُراد به دراسة القوى المكونة لتحالفات الأزمة والوقوف على حدود مصالحها المتعارضة ومن ثم استهداف تلك الوحدة وتفتيتها، فتنقلب الأزمة إلى أزمات مصغّرة (مع كل من الأطراف على حدة)، وهذا جلي جداً في خطبتها (عليها السلام) في الكوفة، التي قلبت الوضع على ابن مرجانة؛ إذ قلبت الجمهور ضده بعد أن كان معه، ومثله -بل أشد- ما حصل في الشام عند خطبة الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وهذا الأسلوب إنما يتعامل به في العصر الحديث مع الأزمات شديدة الخطورة.
4- تفريغ الأزمة من مضمونها: إذ لكل أزمة مضمون سياسي أو ديني أو اجتماعي أو.. وأنجح وسيلة لمواجهتها هو تفريغها من مضمونها، وأزمة الطف يمكن قراءة مضمونها بلحاظين:
الأول: وهو لحاظ معسكر الحق، والمضمون عندهم هو استعادة عزّة الشريعة المستباحة.
أما الثاني: فهو لحاظ معسكر يزيد، والمضمون هنا له وجهان؛ الأول مُعلن: وهو القضاء على الخوارج. والثاني خاص: وهو التخلص من أصحاب الحق المشروع في الخلافة، والذي ينفع في هذه المرحلة تفريغ الأزمة من مضمونها المُعلن وكشف مضمونها الحقيقي وهو ما تكفّل به خطبتا الكوفة والشام وسائر المحاورات فيهما.
5- تصعيد الأزمة وعكسها: وهذه المرحلة تمثل الضربة الأخيرة، وخلاصتها؛ أن يتم عكس الأزمة على مسببها بعد تصعيدها إلى أعلى حد ممكن، والسيدة زينب (عليها السلام) قامت بتصعيد الأزمة من خلال خطبها وردودها، فما كانت لتترك يزيد أو غيره يكيل افتراءاته من دون رادع، ومن ثم عملت على عكس الأزمة من خلال بيان مقام عائلتها، وأنهم أهل بيت الوحي.. وتجلّى عكس الأزمة بأوضح صوره بانهيار مجلس يزيد عند الأذان، بدرجة صار معها يلتمس العذر من الناس، ويبحث عن إمكانية إرجاع السبايا إلى المدينة في أقرب فرصة.
تعاملت السيدة زينب (عليها السلام) مع الأزمة بطريقة تختلف عن مناهج إدارة الأزمة المتعارفة (التقليدي، الموقفي، الحديث) نوعاً ما، لذا اصطلح بعض الباحثين على منهجها: (النظرية الزينبية لإدارة الأزمة (Zainabia Theory for Manage Crisis).
* (هذا المقال هو ما لخصته من بحث
للدكتور علي الفضل بعنوان إدارة الأزمة في فكرالسيدة زينب (عليها
السلام))
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: مقالات نشرة الخميس/العدد 908 (نشرة أسبوعية تصدر عن وحدة النشرات من العتبة العباسية المقدسة، الشيخ ليث الكربلائي.