عندما يكون الكلام عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فإنّ الأحرف والمعاني تضطرب خجلًا لعدم استيعاب فضائلهم واستغراق جهودهم في إبقاء الدين الإسلامي الأصيل وشعائره الربانية..
ونأخذ هنا بعض الجوانب العملية التي رسّخها إمامنا المظلوم الحسن العسكري (عليه السلام) عند الشيعة على الرغم من الظروف الصعبة والشديدة التي كانت تُحيط بالإمام (عليه السلام) من إقصاء وتهميش ونفي ومحاولة فصله عن الشيعة عندما كان في سامراء، إذ إنّهم لم يكتفوا بنفيه مع أبيه الهادي (عليه السلام)، بل أحاطوا به مراقبةً ومنعوا التواصل مع شيعته، مما أدى إلى أنّ بعض الشيعة تفتعل الطرق للوصول إليه، كطريقة الوفود التي كانت تأتي إلى سامراء للتجارة، ولكن كان الهدف الحقيقي هو اللقاء بالإمام العسكري (عليه السلام)، والكثير من أجلّاء الشيعة تخفّوا بعناوين متعددة لكي لا يجذبوا أنظار السلطة الحاكمة وجهازها الأمني الذي كان يضيّق على الإمام (عليه السلام).
ومع ذلك كله، كان الإمام (عليه السلام) منشغلًا بوظائفه الشرعية، ويوجه الشيعة إلى طلب المعارف، وتهذيب أنفسهم بالأخلاق العالية والترفع عن الرذائل.. في حين كانت الحوادث السياسية تعصف بالأُمّة في هذه المرحلة من ضعف السلطة العباسية، وانهماك الملوك بملذات الدنيا وحياة القصور، فكانت هناك ثورة الزنج التي اتخذ منها الإمام (عليه السلام) موقف الصمت؛ لأنّ قائدها مدّعٍ للنسب الشريف من جهة ومنحرف عقائديًّا وفكريًّا من جهة أُخرى، فلم يُعطِ شرعيةً للسلطة كذلك فاختار الصمت.. حينها كان الإمام (عليه السلام) حصن العقيدة الصلب وملهم الهمم في الدفاع عن الدين.
ومن أبرز التيارات التي نشطت هي: التصوُّف والفلسفة، التي دخلت عبرها حركة الترجمة التي تبنتها السلطة العباسية آنذاك، وهي مزيج من الفلسفة اليونانية والهندية والمصرية القديمة والإيرانية القديمة، فاعتنق الكثير من المترجمين هذه الأفكار، وأخذوا ينظّرون لها وتكوّنت لهم مدارس. وقد ردّ الإمام (عليه السلام) هذه الأفكار ووقف ضدها، ولم يرتضِ لشريعة جده الخاتم وآبائه الطاهرين (عليهم السلام) أن تُلوَّث بهذه الأفكار المنحرفة والتيارات الباطلة.
فقضى -بأبي وأُمي- حياته القصيرة، التي لا تتجاوز التسعة والعشرين ربيعًا، في هكذا أجواء مضطربة وعلى الأصعدة كافة، ومهّد لكيفية تعايش الشيعة في زمن الغَيبة عن طريق نظام الوكالة بعد اتساع رقعة الشيعة، فحافظ على كيان الشيعة وأسس نظامًا يتعايشون فيه ويحافظون على أرواحهم وأموالهم وعقيدتهم.