الإخلاص في الدعاء
2021/01/03
115

نحتاج أن نقف قليلاً عند أهمّ محطّة من محطّات الدعاء، وهي محطّة الإخلاص في الدعاء حيث إنّ الدعاء هو عبادة حقيقية، بل هو مخّ العبادة والعبادات بشكل عام يُقصد فيها المعبودُ وحده لا غير، ولأجل ذلك يكون العبد مُستحقّاً للأجر، وأمّا من قصد جهةً ُاخرى فإنّه لا يكون مُستحقّاً للثواب والأجر بل هو مُستحقٌّ للعقوبة، لأنه يكون قد وقع في براثن الشرك الأكبر، كما هو الحال بالنسبة لقريش التي كانت تسجد للأصنام بقصد أنها تُقرِّبهم لله تعالى، وإما أن يكون قد وقع في الشرك الأصغر، كما هو الحال بالنسبة للمُرائين في أعمالهم، فهؤلاء على أقلّ التقادير ستكون أعمالهم باطلة، ولعلّ هذا النوع من الشرك هو الأكثر انتشاراً بين الناس، ومن هنا نفهم سرّ تحذير النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لنا من ذلك، حيث كان يقول(صلى الله عليه وآله): (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الاصغر قالوا وما الشرك الاصغر قال : الرياء يقول الله عز وجل يوم القيامة للمرائين اذا جازى العباد باعمالهم اذهبوا الى الذين كنتم تراؤؤون لهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء) وقال (صلى الله عليه وآله): >استعيذوا بالله من جُبِّ الحزَنِ، قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: واد في جهنم أعُد للقرّاء المرائين وقال (صلى الله عليه وآله) : (إن المرائي ينادَى عليه يوم القيامة: يا فاجر! يا غادر! يا مرائي ضل عملك، وحبط أجرك، اذهب فخذ أجرك من كنت تعمل  له).

ومعنى الإخلاص ايتها الاخت الكريمة هو خلوص العمل من الشوائب، ومعنى خلوص الدعاء من الشوائب هو عدمُ التفات القلب أثناء الدعاء إلى غير المدعوّ وهو الله تعالى فاذا ما توفر الاخلاص وطهر الدعاء من الشوائب فلانه سوف يكون طيبا وخلوا من الخبائث المعنوية وعندئذ سوف يكون مشمولا لقوله تعالى : (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وعندئذ سوف يكون الداعي داعياً حّقاً.

وقد ورد عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كلمة في ذلك، جدير بأن تُكتب بماء الذهب، بل هي الذهب المصُفَّى كقائلها، وهي قوله: (وخير الدعاء ما صدر عن صدر نقي وقلب تقي وفي المناجاة سبب النجاة وبالاخلاص يكون الخلاص فاذا اشتد الفزع فالى الله المفزع) والإشارة بالخيرية إلى مراتب الإخلاص، وأنَّ خير هذه المراتب ما كان صدْر الداعي فيه نقياًّ، وقلبه تقيّاً، فافهم وينبغي أن يُعلم بأنّ الإخلاص وليد الحبّ، فلا إخلاص لمن لا حُبَّ له، وبذلك نفهم بأنّ مراتب الإخلاص هي الأخُرى عائدة لمراتب الحبّ، فالمراتب الدانية تولد حُباً دانياً، والعكس بالعكس، وأما الحب فهو الآخر وليد أمرٍ آخر أصلاً ومراتبَ، وهو المعرفة، فمن عرف الله تعالى أحبّ اللهَ ومن أحبَّهُ أخلص له.

وعليه أختي الطيبة فخُلاصة كل عملٍ وذروته وثمرته تكمن في إخلاص النية لله تعالى، بل في إخلاص النية تكمن قيمة الإنسان وحقيقته، ودون ذلك الإخلاص والقصد سيجد الإنسان عمله هباءً منثوراً لأنه في حقيقته مجرّد قشور فارغة، فلم يكن شيئاً يُذكر سوى عند صاحبه الظامئ له والساعي خلفه فيحسبه ماءً 

وفي ضوء ذلك يتبيَّن لنا بأن الإخلاص ليس أمراً مُكِّملا للدعاء، وإنّما هو شرطٌ أساسيٌ في صحّتِهِ وقبوله، بل لا يُتصّورُ الدعاءُ بلا إخلاصٍ، لأنّ حقيقيةَ الدعاءِ تكمنُ في النيّةِ، وحقيقيةَ النيّة تكمنُ في الإخلاص. نعم،ولكن مستمعتي هل يُشترط كمال النيةِ والإخلاص في العمل؟ فالجواب هو كفاية خلوص العمل من الشوائب والأغيار، فهذه المرتبةُ شرط أساسي لابدّ منه؛ لماِ تقدم من قوله (صلى الله عليه وآله):: مَنْ عَمِلَ عملا أشرك فيه غيري فهو له كله ، وأنا منه بريء، وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك) وقولِهِ (صلى الله عليه وآله): (لا يقبل الله تعالى عملا فيه مثقال ذرّة من رياء). 

وأخيراً اذا كان الدعاءُ هو مُخّ العبادةِ كما جاء ذلك عن النبي(صلى الله عليه وآله) حيث قال: (الدعاء مخ العبادة ولا يهلك مع الدعاء أحد) ولذا فإنَّ الإخلاص هو مُخُّ الدعاء.

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:برنامج أمن يجيب المضطر-الحلقة الثالثة-الدورة البرامجية59.


 

 


تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا