الدعاء في القرآن الكريم
2021/01/03
67

وهي من أعظم الآيات التي تصف لنا صورة الداعي الحقيقي، المضطر لشدَّة الضيق اللاحق به، والمعتقد بوحدانية جهة رفع السوء عنه، فيكشف عنه السوء، وتكون دعوته مُستجابة، فالمضطرُّ المُلتجئ إلى الله تعالى عادة ما تصدق دعوته، وهذا الصدق سيكون محطّ العناية به، ومكمن الاستجابة له، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (فإنْ عَلمِ الله عز وجل من قلبك صدق إلا لتجاء اليه نظر إليك بعين الرافة والرحمة واللطف ووفقك لما يحب ويرضى فانه كريم يحب الكرامة لعباده المضطرين إليه المحترقين على بابه لطلب مرضاته قال تعالى: ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) وهناك نصوص تُفصح عن نزول هذه الآية الكريمة بشأن الإمام المهدي(عج). 

إضافة الى ما ذكرنا أخيتي الفاضلة لا يتوقّف الأمر عند الدعوة لدُعائه، والوعد بالاستجابة، وإنّما يصل المطاف إلى أمر خطير جدّاً، وهو نعْت الذين لا يستجيبون لدعوته بأنهم سوف يدخلون جهنمّ داخرين، أي: صاغرين محُتقرين كما قال تعالى (وقال ربكم ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) وهذا ما يجعلنا نتأمَّل كثيراً في مُلازمات الدعاء، فإنَّ من لوازم الاستغناء عن الدعاء الاستغناء عن الله تعالى، إذ لا نافع ولا ضارّ إلا الله تعالى، فعدم اللجوء إليه والطلب منه كاشف إنيِّّ عن الاستغناء عنه، وهذا الأمر لازمه الأوّل الكفر، وثمرته دخول جهنمّ، وللمبالغة وصَف دخولهم جهنمَّ بالداخرين.وفي الآية سرٌّ آخر، وهو أنهَّا بنكتة بيان مصير الذين يستكبرون عن دُعائه، وهو دخولهم جهنم داخرين، وبنكتة المقابلة بين الصادِّين عن دُعائه وبين المُقبلين عليه، فإنه يُفهم منها أنَّ الذين يلجأون إليه، ويرفعون أياديهم بالدعاء، ويطلبون حاجاتهم منه تعالى، لهم أمران، هما:

الأوّل: يتمثّل باستجابة دُعائهم.

والثاني: بأنَّ مصيرهم الجنةّ، أو أنَّ القدر الُمتيقّن هو عدم دخولهم جهنمَّ، فيشملهم عطفُه نتيجة إقبالهم عليه، وبكائهم على أعتاب بابه، وحاشاه أن يردَّ المنُقطعين عمَّا سواه، ومن آياته في ذلك قوله تعالى: (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء)، وهنا اخواتي يوجد أمران:

الأمر الاول: يكمن في نفس دُعاء نبي الله زكريا عليه السلام)، وفيه عدّة أُمور، منها: الأمر الأوّل: يُعلِّمنا النبي زكريا (عليه السلام) أنَّ على المؤمن أن يستفيد من  إخوته في الإيمان، إما بالتأسّي بهم أو بالأخذ بنصحهم، وليس على المؤمن غضاضة أن يستفيد من أخيه، الأصغر منه سنّاً، أو الأقلّ منه معرفة، ما دام الآخر على الجادّة وناصحاً له، وهذا ما فعله نبي الله زكريّا (عليه السلام) حيث إنه التفت إلى أمره بعد أن رأى مريم البتول تأكل فاكهة في غير موعدها، فأثاره الموقف، وهو المحكيّ بقوله تعالى: (... كلما دَخَلَ عليها زكريا المحراب وجد عِندهَا رزقا قَال يا مريم انى لك هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عندِ الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب)، فجاء قوله تعالى: (هنا لك دعا زكريا ربه).

الأمر الثاني: إنه (ع) دعاه على كِبَرٍ في سنهّ، كما هو ثابت تأريخاً، وقد كان مطلبه فيه شيء من الإعجاز، فهو شيخ كبير، وزوجته كبيرة في السن، مماَّ يعني لنا أن المرُاد حتّى وإن كان بعيد المنال فلك أن تطلبه من الله تعالى، ما لم يكن مُتعارضاً مع السنن الكونية والشرعية، ولذلك لم يكن طلب زكريا خارجاً عن السنن الإلهية، بدليل الاستجابة له، فدعاءالنبي زكريا(سلام الله عليه) يُعلّمنا عدم اليأس كما انه (ع) يطلب الذرية بوجود مطلق، وإنَّما حدد ذلك بالذريّة الطيبّة، وهو دُعاء في غاية العقلانية، فإنَّ الهدف الحقيقي الذي ينبغي أن يسير باتّجاهه الإنسان، هو تحصيل المفقود من الكمال، والارتقاء بكماله الموجود، فإذا كانت الذريّة غير الصالحة تتقاطع مع هذا الهدف السامي فلا معنى لوجودها، ولذلك كان نبي الله زكريا مُلتفتاً إلى هذا الامر فهو لم يطلب أيَّ ذرية، وإنما شخَّص مطلبه بما ينسجم مع هدفه السامي في الارتقاء بكماله، فوصف الذرية بالطيبّة، وهذه الكلمة لها دلالات كثيرة وعظيمة، منها أن تكون عابدة مُطيعة لله تعالى، وهنالك شاهد قرآني يحكي لنا أهمّية حفظ إيمان المؤمنين من فتنة الذريّة الفاسدة، كما هو الحال في قصّة قتل العبد الصالح الخضر(عليه السلام) لذلك الغلام؛ قال تعالى: (فانطلقا حتى اذا لقيا غلاما فقتله قال اقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا)، فكان أن أجاب الخضرُ نبيَّ الله موسى (عليه السلام)، بقوله المحكيّ في القرآن الكريم: (وَأَما الغلَامُ فكان أَبوَاه مؤمنين فخشينا ان يرهقهما طغياناً وكفرا)، وأيضاً في قصّة إبراهيم خليل الرحمن شاهد على كونه(عليه السلام) طلب من ربّه ذرّية صالحة، وهو قوله تعالى: (رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام خليم).

كما إنّه (عليه السلام) يُؤِّدبُنا على أمر في غاية الأهميّة، وهو حصر الطلب به تعالى، وهو قوله تعالى: {هَبْ منِ لدنكْ}، فلم يقل (عليه السلام): هب لي، وإنما حدَّد ذلك بأنّي لا أطلب إلّا منك سبحانك، ولعلّ هذا الأدب الرفيع والشرط الأكيد في استجابة الدعاء كان هو الموجب لاستجابة دُعائه (عليه السلام)
واخيرا اخواتي الطيبات لا ريب بأنَّ الدعاء هو محطّة السلامة بعد رحلة عناء، والطريق الموصل للكمال المفقود الذي يرى فيه الداعي سبيل السلام له، وطلب السلامة هو معقد إجماع العقلاء، والسلامة تعمّ أمر الدين والدنيا والآخرة، وليس هنالك بعد الأخذ بالعقيدة، والعمل بالشريعة، غير الدعاء، فهو نافذة الغيب علينا، ونافذتنا على الغيب، ولذلك حقّ أن يكون الدعاء هو مُخّ العبادة، وهو سرّ الاكتراث بنا، وهذا السبيل الحقّ هو دعوة الله تعالى لنا، فهو العلاج الناجع، والدواء الشافي، الذي لا يملك الفاقدُ غيره، بل ولا يظفر بغيره، رؤوف رحيم، قريب الرضا، لا يُذَلُّ سائلُه، (يا سريع الرضا اغفر لمن لا يملك إلا الدعاء، فإنكّ فعال لما تشاء، يا من اسمه دواء وذكره شفاء وطاعته غنى ، ارحم من رأس ماله الرجاء وسلاحه البكا ء).

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:برنامج أمن يجيب المضطر-الحلقة الثانية-الدورة البرامجية59.


 

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا