التوبة المقبولة
2020/08/28
113

التوبة والاستغفار رحمة وباب عظيم من أبواب الإقبال على الله تعالى والرجوع إليه، فلولاهما لاستمر الإنسان في فعل معاصيه ولقنط من رحمة الله في غفران ذنبه ولكن البعض منا عندما يقال له: استغفر الله!.. يقول مرة واحدة، " أستغفر الله ربي وأتوب إليه" وبلقلقة لسان وإذا أراد أن يُكثّف استغفاره؛ يستغفر مائة مرة.. ويظن أنه بذلك استغفر حقيقة!.. والحال أن معنى الاستغفار الذي يفسره لنا علي (ع)، مختلف عما نفهمه نحن قال (ع): (اَلاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ اَلْعِلِّيِّينَ، وَهُوَ اِسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ: أَوَّلُهَا: اَلنَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى.. وَاَلثَّانِي: اَلْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ اَلْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً.. وَاَلثَّالِثُ: أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى اَلْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ؛ حَتَّى تَلْقَى اَللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَمْلَسَ، لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ.. وَاَلرَّابِعُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا؛ فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا.. وَاَلْخَامِسُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اَللَّحْمِ اَلَّذِي نَبَتَ عَلَى اَلسُّحْتِ؛ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ اَلْجِلْدَ بِالْعَظْمِ، وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ.. وَاَلسَّادِسُ: أَنْ تُذِيقَ اَلْجِسْمَ أَلَمَ اَلطَّاعَةِ؛ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ.. فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ).

ونفهم من حديث الامام ع ان : اَلاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ اَلْعِلِّيِّينَ.. أي أن الإنسان المستغفر حقيقة -كما يصفه الامام علي (ع)- واصل لدرجة عالية؛ لأنه: عرف ربه أولاً، واستحى منه ثانياً، وعرف ضعفه ثالثاً.. أدرك هذه المعادلة الكبيرة، ومن هنا يستغفر ربه بكل تفاعل ثم يفصل الإمام (ع) في معنى التوبة:

 منها  الندم.. إذا أحسّ الإنسان بحالة الندامة الباطنية؛ يكون قد عاد إلى ربه.. لأن العودة إلى رب العالمين عودة قلبية، لا عودة مادية.. فالقلب إذا لم يندم: فلا رجوع، ولا إنابة، ولا توبة في البين.. ومن هنا الفقهاء في الرسالة العملية، يقولون : لو ارتكب الإنسان ذنبا، ثم ندم ولم يتلفظ بالاستغفار؛ هذا الإنسان تائب .. نعم ، يستحب له أن يتلفظ بألفاظ التوبة ، وإلا بندامته فهو تائب. 

 ومنها: عدم العود.. فهناك فرق بين الندم الذي معه عزم ، وبين الندم العابر.. والعصاة عادة يندمون على ما هم فيه؛ أي يعيشون حالة الأسى والأسف.. ولكن المشكلة في سرعة الرجوع إلى ما كانوا عليه ؛ أي هناك ندم، ولكن ليس هناك عزم على عدم العود.. بل يجب ترك الذنب مطلقا، والعزم على عدم العود إليه أبدا.

 ومنها أيضاً: تأدية حقوق المخلوقين.. إن الإنسان الذي يستغفر من السرقة، وأموال الناس في جيبه، أو في حسابه؛ هذا إنسان مستهزئ بالاستغفار.. فالقلب الذي يريد أن يلقى الله -عز وجل- بنقاء تام ، وبسلامة تامة ؛ لابد أن يكون مثل الحجر الأملس الذي لا غبار عليه؛ ليس عليه تبعة.

 ومنها كذلك: تأدية حقوق الخالق.. فالإنسان الذي في ذمته: صلاة، أو صوم، أو حج، أو خمس، أو...الخ؛ عليه أن يقضي تلك الحقوق.. فالبعض يكون في أواخر عمره، ولا زال عليه قضاء صلوات.. ستون سنة، وهو لم يؤد حقوق الله عز وجل؛ فضلا عن حقوق المخلوقين.

 ومنها: إذابة اللحم الذي نشأ من السحت.. وذلك من خلال الصيام والأحزان، ثم ينشأ لحم جديد من مال حلال.

وكذلك: إذاقة الجسم ألم الطاعة.. الإنسان عندما أذنب استمتع بالمعاصي.. فالمعاصي فيها متعة، وفيها لذة؛ وإلا الشيطان لما أغرانا بذلك {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}.. طبيعة الحرام فيه جاذبية: من مأكوله، ومشروبه، و...الخ؛ كل هذه المحرمات فيها جاذبية.. هو تلذذ بالحرام في فترة من حياته، والآن: تاب، وندم، وعزم، وأدى الحق الذي عليه.. وكذلك يجب أن يذيق الجسم ألم الطاعة، كما أذاقه حلاوة المعصية.. فعند ذلك يقول: استغفر الله.

إن الإنسان الذي وصل إلى ملكوت الواجب والمستحب؛ يتلذذ بأداء التكليف.. عندما يذهب إلى الحج، ويعاني ما يعاني في طريق الحج؛ يتلذذ في هذه الصعوبات، كما يقال: لذة الخطاب أذهبت العناء.. أي أن الإنسان الذي يخاطب بالتكليف، هذا تشريف إلهي بالنسبة له.. ولكن إنسانا حديث عهد بالمعاصي والذنوب، من الطبيعي أنه في أول الطريق إلى الله عز وجل، يعيش ألم الطاعة.. الطاعات لا تناسب مزاجه إلا تكلفاً، يقوم لصلاة الليل متناعساً، ومتثاقلاً ولكن بعد فترة لو فاتته نافلة الليل في ليلة من الليالي، لمرض أو لنعاس؛ يكون في النهار في حالة يرثى لها؛ لأنه لم يقف بين يدي الله عز وجل.

 

 

 

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: برنامج منار السبيل- الحلقة الحادية عشرة- الدورة البرامجية57.


 

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا