كيف تعالج النفاق الظاهر والباطن
2020/05/17
72

سيدتي الكريمة .. إن المنشأ الرئيسي للنفاق (بمعنى إظهار خلاف ما يبطنه الفرد) هي: الرغبة الشديدة للعبد في أن يكون محمود السمعة بين العباد، إما: حباً لحسن الذكر، أو مقدمة للوصول إلى متاع الدنيا بواسطة الوجاهة بين الخلق.. ومن دوافع ذلك أنه يرى أن باطنه لو انكشف على الخلق لفروا منه، وعليه فإنه يضطر دائما لتصنع الصلاح.

وان من منن الله تعالى على عبده أن ستر على باطنه ، فمثل الملكات الخبيثة فيه كجيفة منتنة مجمدة، لا تظهر رائحتها الكريهة إلا عندما تذوب.. ومن هنا كان يوم القيامة هو اليوم الذي تبلى فيه السرائر.. إذن فليحسن سرائره قبل أن ينفضح على رؤوس الأشهاد.

روي عن علي (ع) أنه قال: (عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم)، وبالبرهان المنطقي نعلم أن من كبر ما دون الله في عينه، فقد صغر الخالق في نفسه!.. أن الالتفات لهذه المعادلة المخيفة، من دوافع عدم الاهتمام بنظرة الناس واحترامهم، وهي خطوة أولى للتخلص من النفاق.

وإن من موجبات النفاق وتصنع الصلاح الكاذب، هي عقدة الحقارة أجلكم الله.. فقد روي عن الإمام علي (ع) أنه قال: (نفاق المرء من ذل يجده في نفسه).. والذي لا يرى في داخله رصيداً من الملكات الصالحة ، يبحث عن الرصيد الخارجي من ثناء الآخرين، وبذلك يغفل عن عمارة الباطن الذي يحاسب على أساسه ويبقى معه ابد الآبدين، وينشغل بالصور الذهنية الجميلة في نفوس الغير( وهي واقع الشهرة ).. وهل النفوس باقية لتبقى معها تلك الصور الخيالية؟

إن من مظاهر النفاق، هو النفاق الوظيفي: وهو أن يعطي الإنسان لنفسه صورة حسنة في المجال الوظيفي، والحال انه يعلم بأنه لم يلتزم بشروط العقد.. وهي خديعة تشكل خلل في المال الذي يأخذه.

وهناك أيضاً النفاق الأسري: وهو إن يظهر كلمات الود لأهله، والحال انه يخونها في الغيب: بنظرة محرمة، أو بلقاء محرم.. وهو لا يعلم أن الله تعالى - لو أراد - فإنه يفضح الإنسان في جوف بيته.. فكما يستر العيوب لمصلحة ، فانه يكشفها لمصلحة أخرى أيضاً.

 وهناك النفاق الاجتماعي: بمعنى أن يظهر المدح والثناء لشخص في حضوره ليطعنه في الخلف في غيبته.. وقد وصف النبي (ص) هذا الصنف بأن الله تعالى لا ينظر إليهم يوم القيامة، وذلك لأنه يدل على حقارة في النفس، والله تعالى كريم لا يعبأ باللئيم.

وهناك النفاق العلمي: بأن يظهر الإنسان مقدرته في الجانب العلمي، وهو ليس أهلا له، وخاصة في المجال الديني.. فترى بعض أفراد المجتمع يظهر رأيه في أمور الدين وهو لم يطلع على النصوص الشرعية التي على أساسها يتم الحكم، والحال أنه لا يتدخل في التخصصات الأخرى احتراماً لها.. فيا ترى هل أن الدين - وهو مرتبط بالغيب - اقل أهمية من علوم الطبيعة، وهي مرتبطة بعالم الحس؟

وهناك النفاق العبادي: وهو أن يظهر بمظهر الملتزمين ويستبطن المخالفة في السر، بل يتظاهر بدرجة من الخشوع في الظاهر زيادة عما في باطنه.. وقد روي عن النبي (ص) أنه قال: (ما زاد خشوع الجسد على ما في القلب فهو عندنا نفاق).. إن على المؤمن أن يكتم حالاته القلبية، لئلا يصاب بالعجب من ناحية، ولئلا يتخذ ذلك وسيلة لإظهار الفضل على العباد.

هناك علامات للنفاق أجارنا الله واياكِ من ذلك، وإن من علامات المنافق: الارتباك، والتذبذب في المواقف، لأنه يتحرك على وفق المصالح المرحلية، فلا يعيش حالة المبدئية في الحياة .. ومن المعلوم أن الإنسان المصلحي لا قيمة له حتى عند أصحاب المصالح.

ومن علامات المنافق: انه ينشط مع الناس ويكسل إذا كان وحده، فالذي يهمه رأي الناس فيه، يبرمج حياته على أساس كسب الوجاهة الاجتماعية .. وكم تكون خسارته يوم القيامة عندما لا يجد مغيثاً ممن كسب رضاه في الدنيا.

إن الذي يحب حسن الذكر فليسلم أمره إلى الله تعالى، فهو الذي أدرى بمصلحة الشهرة أو عكسه.. وهو الذي لو أراد أن يروّج لعبد من عبيده نشر ذكره في الآفاق، فهذا اسم نبيه المصطفى (ص) يقترن باسمه في: الأذان، والصلاة، والشهادتين.. أوَ ليس هذا هو الخلود في الذكر، فلم نبحث عنه عند غير الخالد؟

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: برنامج كيف نخطو-الحلقة السابعة-الدورة البرامجية54.

تحدث معنا
يمكنكم ايضا التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا