التلازم بين الإيمان والعمل الصالح
2024/06/11
121

التربية الإيمانية لها جناحان لا تكتمل إلا بهما، وهما أعمال القلوب، وأعمال الجوارح.. أو بعبارة أخرى: الإيمان والعمل الصالح، فالإيمان محله القلب، والعمل الصالح محله الجوارح.. ولكي يُثمر العمل الصالح زيادة في الإيمان لابد أن ينطلق من حالة إيمانية (استثارة لمشاعر الرغبة تجاه القيام بالعمل)، فالعلاقة بينهما كالعلاقة بين البذرة والماء، لا وجود للنبات من دون أحدهما.
فلو انصب اهتمامنا على أعمال القلوب، ولم نهتم بالعمل الصالح سيكون الإيمان محدودًا، ولن نستثمر وجوده استثمارًا حقيقيًا.. وفي المقابل، لو قفزنا على العمل الصالح دون وجود الإيمان في المشاعر، ودون استثارة هذا الإيمان قبل العمل فسيكون الناتج ضعيفًا، إن لم يكُن معدومًا.
فلابد من الأمرين معًا: عمل القلب وعمل الجوارح، أي الإيمان والعمل الصالح.

إن المقصود بأعمال القلوب حركة المشاعر تجاه الله عز وجل كخشيته، وحبه، وتعظيمه، ومهابته، ورجائه، والاستعانة به، والافتقار إليه، والانكسار بين يديه، والحب فيه، والغضب من أجله.
والمقصود بأعمال الجوارح الأعمال التي تُؤدَّى بالجوارح ودلتنا عليها نصوص القرآن والسنة كالصلاة، والذكر، والصدقة، والسعي في قضاء حوائج الناس.

 وردت في القرآن الكريم الآيات التي تربط بين الاثنين، ولا يكاد يذكر أحدهما إلا وكان ملازمًا للآخر؛ لينتبه المسلم إلى أهميتهما معًا، فلا يهتم بأحدهما ويُهمل الآخر كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}. 

ومع أهمية ارتباط الإيمان بالعمل الصالح، والعمل الصالح بالإيمان إلا أن الأول مقدم على الثاني، فالإيمان مقدم على العمل الصالح، أي إن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميَّز المؤمن من المنافق إلَّا بما في قلب كل واحد منهما؟
وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت، ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام، والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان.

ومن هنا تتضح لنا أهمية الاهتمام ببناء الإيمان الحقيقي الذي يتناول جميع المشاعر، على ألا يُهمل العمل الصالح، بل يُقرن دائمًا بأعمال القلب، ويجتهد المرء في تحسينه وحضور المشاعر معه، فمن فعل ذلك فهو السابق حقًّا.

فالإيمان أولًا والعمل الصالح ثانيًا، لتكون النتيجة: التحسُّن الملحوظ في الخُلق والسلوك، والمتأمل في التربية الربانية للجيل الأول يجد أنها كانت تُركز على أعمال القلوب، وزيادة الإيمان في القلب قبل تشريع العبادة، فكما قيل إن الإسلام قد بدأ "مشاعر، ثم شعائر، ثم شرائع".

إنه لأمر عجيب أن تُفرض الصلاة في رحلة الإسراء والمعراج آخر العهد المكي، ويُفرض الصيام وسائر التشريعات في المدينة، وتُفرض الحدود في السنوات الأخيرة من حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).. فما الذي كان يفعله المسلمون الأوائل في مكة إذن؟!
لقد كان هذه الفترة أخطر مرحلة من مراحل بناء الفرد المسلم، وهي مرحلة تأسيس القاعدة الإيمانية، لتأتي الشعائر بعد ذلك فتُحسِن التعبير عن هذه المشاعر.

ويمكن تربية الأبناء على هذا النهج وهو الايمان أولاً مع اقترانه بالعمل الصالح، وهي طريقة تربوية نسلكها مع أبنائنا قبل سن التكليف، فمع تعويدهم على أداء عبادات الجوارح المختلفة، ينبغي أن ينصب جهدنا الأكبر على تعريفهم بالله عز وجل، وتحبيبهم فيه، وتعظيم قدره في قلوبهم، وتعريفهم بأنفسهم، وأنهم لا شيء من دون ربهم.. وخلاصة القول إن التربية الإيمانية الصحيحة التي تُقرب العبد من ربه، وتُثمر سلوكًا صحيحًا في حياة الفرد لها جناحان: أعمال القلوب وأعمال الجوارح.. الإيمان والعمل الصالح. 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: إذاعة الكفيل - برنامج ميزان التفاضل - الحلقة الثامنة - الدورة البرامجية 79.

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا