الإخلاص، مراتبه وسبل تحصيله
2024/06/11
162

يكون الإخلاص من خلال تجريد النية من الشوائب والمفاسد، كما في قوله تعالى: {وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، وقال تعالى أيضا: {أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ}.

وفي الكافي عن الرضا عليه السلام: إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: "طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولم ينسَ ذكر الله بما تسمع أذناه، ولم يحرك صدره بما أُعطي غيره". 

أما مراتب الإخلاص فكثيرة ومتفاوتة، أولها مرتبة الشاكرين الذين يعبدون الله تعالى شكرًا على نعمائه غير المتناهية، كما قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوهَا}، وبعد ذلك تأتي مرتبة المقربين الذين يعبدون الله تقربًا إليه، وهذا القرب يكون بحسب المنزلة والرتبة والكمال، حيث إن واجب الوجود كامل من جميع الجهات والممكن ناقص من جميع الجهات، فإذا سعى العبد في إزالة النقائص والرذائل عنه قرب قربًا معنويًا، وأما القرب من حيث المحبة والمصاحبة كما إذا كان شخص بالمشرق وآخر بالمغرب وبينهما كمال المحبة والارتباط ولا يغفل أحدهما عن ذكر صاحبه ونشر مدائحه وكمالاته يقال: بينهما كمال القرب.. وإذا كانا متقاربين في المكان وبينهما ضد ذلك يقال: بينهما كمال البعد ويقصد بالقرب والبعد معنويًا. 

وأيضا من جملة المراتب الكثيرة مرتبة المستحين، وهم قوم يبعثهم على الأعمال والطاعات الحياء من الله تعالى، حيث علموا بأنه مطلع على ضمائرهم وعالم بما في خواطرهم ومحيط بدقائق أمورهم، فاستحوا من أن يبارزوه بالمعاصي وبادروا إلى الطاعات والعبادات، كما ورد: "اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

اما مرتبة المتلذذين فهم الذين يلتذون بعبادة ربهم بأعظم مما يلتذ به أهل الدنيا من نعيمها، ففي الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: قال الله تبارك وتعالى: {يا عبادي الصديقين تنعموا بعبادتي في الدنيا فإنكم تتنعمون بها في الآخرة}..
وعنه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى عليه وآله وسلم): "أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبها بقلبه وباشرها بجسده وتفرغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر".

قد يتبادر سؤال الى الأذهان وهو كيف يمكن الوصول إلى الإخلاص؟؟
إن ا
لطريق إلى الإخلاص يكون بكسر حظوظ النفس، وقطع الطمع عن الدنيا، والتجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب، وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله تعالى ويكون فيها مغرورًا لأنه لا يدري وجه الآفة فيها، كما حكي عن بعضهم أنه قال: قضيت صلاة ثلاثين سنة كنت صليتها في المسجد جماعة في الصف الأول لأني تأخرت يومًا لعذر، وصليت في الصف الثاني فاعتراني الخجل من الناس حيث رأوني في الصف الثاني، فعرفت أن نظر الناس إلي في الصف الأول كان يسرني، وكان سبب استراحة قلبي من ذلك من حيث لا أشعر..
وهذا باب دقيق غامض قلما تسلم الأعمال عن مثل ذلك، وقل من يتنبه له والغافلون عنه يرون حسناتهم في الآخرة كلها سيئات، وكما قال الله سبحانه وتعالى: {وَبَدَا لَهُم مِنَ اللّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ}. 

ومن آثار الإخلاص المترتبة علينا في الحياة أنه يحسن العاقبة للإنسان المؤمن الذي أخلص لله تعالى في نية عمله، وفي كل جوارحه ابتغاءً مرضاة الله سبحانه، والدليل على ذلك ما ورد عن الإمام علي (عليه السلام) حيث أنه قال: "الإخلاص أشرف نهاية".

ومن آثار الاخلاص لله في العمل العبادة وفي كل فعل خير، يؤدي به هذا الى طريق الصواب والوصول الى غاية العبد من وراء هذا الإخلاص وهي الدخول الى الجنة، كما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): "أيها الناس إنه من لقي الله عز وجل يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا لم يخلط معها غيرها دخل
 الجنة،..."، لكن شرط أن يعصمه إخلاصه ويمنعه من فعل كل محرمٍ، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): (من قال "لا إله إلا الله " مخلصًا دخل الجنة، وإخلاصه أن يحجزه "لا إله إلا الله " عما حرم الله)
 إن الالتزام بالإخلاص في العمل لله تعالى والاستمرار عليه بصورة صحيحة واتمامه على اتم وجه، يجعل الانسان بعيدًا عن ما حرم الله سبحانه ولا يعصيه بما نهى عن فعله، كما قال الإمام علي (عليه السلام): "تمام الإخلاص تجنب المعاصي"، و كذلك اجتناب المحارم، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "تمام الإخلاص اجتناب المحارم".

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: إذاعة الكفيل - برنامج ميزان التفاضل - الحلقة السابعة - الدورة البرامجية 79.

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا