محورية التقوى في طريق التكامل
2024/04/20
276

كثيرًا ما نسمع عن أهمية التقوى في طريق التكامل، وكثيرًا ما يؤكد القرآن الكريم والروايات الشريفة على آثارها الجليلة، فإن من يتدبر في آيات القرآن يجد أنه تعالى قد جعل للتقوى الكثير من النتائج المهمة إسلاميًا على مستوى الدنيا وعلى مستوى الآخرة وهكذا الحال في الروايات. 

أما عن المستوى الدنيوي فالتقوى هي مفتاح الخيرات والبركات يقول تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، وهي مفتاح العلوم وهي أشرف لباس بني ادم كما قال عز وجل: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)، فأما اللباس فالثياب التي يلبسون، وأما الرياش فالمتاع والمال، وأما لباس التقوى فهو العفاف 
ولكن يتبادر سؤال في الأذهان:  

ما حقيقة التقوى؟ 
إن التقوى مأخوذة من الوقاية، والحضانة، والمناعة عن فعل أي شيء يكرهه الله تبارك وتعالى، أو ترك أي شيء يحبه الله تبارك وتعالى وهي بهذا المعنى ذات ثلاث مراتب طولية تتمثل بالمرتبة الأولى مرتبة الورع والاجتهاد والورع هو الابتعاد عن المعاصي صغيرها وكبيرها بل عن الشبهات وأما الاجتهاد فهو بذل الجهد في عمل الواجبات والطاعات. 

ونتيجة هذين الأمرين هي التقوى بمرتبتها الأولى وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) "ولكن اعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد"، وهذه المرتبة لا يُعذَر فيها مؤمن، فكل واحدٍ منا مطلوب منه هذه المرتبة الا أن يكون له عذر شرعي مناسب. 

واما المرتبة الثانية فمترتبة بفعل المستحبات وترك المكروهات والالتزام بهذه المرتبة يمثل حصانة للمرتبة الأولى فإن المؤمن إذا التزم بفعل المستحبات فهو يفعل الواجبات من باب أولى وإذا ترك المكروهات فانه يترك المحرمات من باب أولى. 

ومن هنا لو وجدنا شخصًا يفعل المستحبات دون الواجبات أو يترك المكروهات دون المحرمات فإنه مثل هذا الشخص، عنده خلل في منظومته المعرفية والعملية، وقد نجد أيضا من يتعب نفسه كثيرًا في فعل بعض المستحبات ولكنه يترك لأجلها بعض الواجبات والحال أن المستحبات إنما تأتي بعد الواجبات وهي إنما جعلت بمثابة الحصانة للواجبات.

المرتبة الثالثة فهي مرتبة التفكر بمعنى أن يصل المؤمن الى مرحلة لا يفكر أصلًا بترك واجب أو فعل محرم بل قد يصل الى مرحلة أعمق وأعم بأن لا يفكر في ترك مستحب أو فعل مكروه وهذه مرتبة كمالية عالية، وهي تحتاج الى كثير من المجاهدات العملية للنفس الأمارة بالسوء الى أن تصل الى حد تألف فعل الخير وترك الحرام بحيث يحذف من القاموس الذهني غير ذلك.

ولقد كان تذكير العباد بالواضحات المهمات من إحدى طرق التربية الاجتماعية لدى أهل البيت (عليه السلام) فكانوا يذكرون المرء بما يساعدهم على الالتزام بالشريعة ويدفعهم نحو (التقوى)، ومن ذلك ما ورد من أن الحسين بن علي (عليه السلام) جاءه رجل وقال أنا رجل عاصٍ ولا أصبر عن المعصية فعظني بموعظة فقال (عليه السلام) "افعل خمسة أشياء واذنب ما شئت، فأول ذلك لا تأكل رزق الله، واذنب ما شئت، والثاني اخرج من ولاية الله واذنب ما شئت، والثالث اطلب موضعا لا يراك الله واذنب ما شئت والرابع اذا جاء ملك الموت ليقبض روحك فادفعه عن نفسك واذنب ما شئت والخامس اذا ادخلك مالك في النار فلا تدخل في النار واذنب ما شئت.

ومن اللافت للنظر أننا عندما نقرأ الروايات نجد أنها تؤكد أن صفة التقوى هي من أهم الصفات العلمية التي يجب أن يتحلى بها من ينتحل التشيع ومن دون التقوى لا يمكن أن تنال ولاية أهل البيت عليهم السلام فكان التقوى هي شيفرة الدخول الى حرم ولاية أهل البيت (عليه السلام).

فعن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لي "يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت؟ فو الله ما شيعتنا الا من اتقى الله وأطاعه وما كانوا يعرفون يا جابر الا بالتواضع والتخشع والأمانة، وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين والتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكف الألسن عن الناس الا من خير وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء"، من هنا نجد أهل البيت (عليهم السلام) يحاسبون أصحابهم على كل صغيرة مهما صغرت اذا كانت تتنافى مع الورع والتقوى.

التقوى في الدين الإسلامي سفينة النجاة يوم القيامة وهي التزام طاعة الله وطاعة رسوله، وهي اتباع نهج النبي محمد وسيرته بالتزام ما فرضه الله واجتناب ما حرم، في العقيدة الإسلامية الله يكرم عباده المتقين عند الحشر وفي مواقف القيامة، فهم لا يخافون عندما يخاف الناس ولا يحزنون عندما يحزن الناس فهم يحشرون وهم لابسون راكبون طاعمون يأتيهم رزقهم من خالقهم ومالكهم، يقول الله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ٨٥﴾، وبالتقوى ينجو الإنسان من الشدائد، وتزول الشبهات، ويجعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، وييسر له الرزق من حيث لا يحتسب، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: إذاعة الكفيل - برنامج ميزان التفاضل - الحلقة الأولى - الدورة البرامجية 79.

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا