تجارة لا تبور
2023/09/15
342

ليس من الغريب أو العجيب أن يتسابق المؤمن والمحب لأهل البيت (عليهم السلام) في التشرّف بخدمة مواليه، بالخصوص إذا ما كانت هذه الخدمة عند مراقدهم المقدّسة، وهذا الأمر واضح وجلي على مرّ التاريخ، وتوضّح الأمر أكثر عند سقوط طاغية زمانه ونظامه، فقد تهافت الكل (طواعية) بالتشرّف بخدمة العتبات المقدسة -خاصة في كربلاء المقدّسة، فإن الأمر قد حدث قبل الزيارة المليونية لأبي عبد الله (عليه السلام)- وكان هذا يتطلّب جهوداً استثنائية وغير اعتيادية من تنظيم دخول الزائرين وخروجهم ومكان إقامتهم.. إضافة إلى المهمة الشاقة من تنظيم المواكب المتعطّشة لأداء مراسم العزاء في ذكرى أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) بعدما كانت محضورة من أداء شعيرتها الإيمانية، والأمر الأهم والأصعب هو توفير الحماية لتلك الأعداد الهائلة الزاحفة نحو قبلة الأحرار، (ومما لا شك فيه أن هناك تدخلاً غيبياً قد حفظ المدينة المقدّسة وزوّارها وسهّل أداء تلك الجموع الغفيرة بكل يسر)، ونحن نعلم أن من تصدّى لتلك المهمة الشاقة ما زال جديد عهد بهذا العبء الثقيل (مع علمنا بعدم وجود أي حكومة آن ذاك)، ولكنه اجتاز الاختبار بكل نجاح، مع انبهار شديد وإشادة دولية واسعة للتنظيم العالي والتنسيق المتميّز، مع الإشارة إلى أن هناك من كان يراهن على حصول كارثة كبيرة في أثناء هذه الزيارة (لغياب الدور التنظيمي والأمني الحكومي).

بطبيعة الحال هذا الأمر لا يقتصر على مدينة كربلاء المقدّسة ومراقدها المطهّرة فحسب، بل شملت كل مدن الوسط والجنوب فقد تحمّلت أيضاً أعباء تسهيل أمر الزائرين من مأكل ومشرب وتوفير الحماية على طول الطرق المؤدية إلى مدينة سيد الشهداء (عليه السلام)، ولكن ما لا ينكره أحد هو أن العبء الأكبر يقع على مدينة كربلاء المقدّسة.

من هنا بُذرت البذرة الأولى للعهد الجديد من الخدمة الحسينية لمراقد أهل البيت (عليهم السلام)، فكانت الانطلاقة المجيدة، وبعدها وُضعت الأساسات الرصينة وحُدّدت الخطوط العريضة لمسار إدارة العتبات وتنسيق مجالات خدمة زوّارها، فصارت أكثر تنظيماً وأكمل مساراً، فأُنجزت المشاريع وتوسّعت الرقع والمباني (وما زالت إلى يومنا هذا)، ووُضعت الشهادات والاختصاصات في محلّها، وشُغلت جميع منافذ الخدمة بمن هو أهل لها وكل بحسبه؛ الكل يسعى لخدمة الزائر الكريم تلك المراقد المشرّفة (وكلٌ من محلّه)، حتى توسّعت تلك الخدمات إلى أبعد من رقعة تلك المراقد المقدّسة وزائريها فشملت الجانب الفكري والثقافي والتربوي والتعليمي والاجتماعي والزراعي والصناعي والمهني والصحي والأمني.. وما زالت التطورات جارية على قدم وساق ولا تتوقف عند حدّ معيّن فالطموحات كبيرة والهمم عالية، والجهود وبذل الأموال رخيصة في سبيل تقديم مختلف الخدمات وأجملها، ليستحق المنتسب لهذه المراقد أن يتّصف بـ(الخادم)! حتى صارت قبلة للزائرين والسائحين من داخل العراق وخارجه.

حقيقة، محروم مَن حُرم من هذه الخدمة الشريفة، وسيتحسّر مَن لم يوفق إليها أو قد تركها! ومخطئ مَن ينظر إليها من منظار دنيوي ومادي، فأولئك الخَدَمة (المخلصون) لهم بعين السادة الميامين (عليهم السلام) وبالتأكيد لن يحرموا من بركاتهم في الدنيا ولن ينسوهم في الآخرة، ونعمت تجارة لا تبور.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: نشرة الخميس(نشرة أسبوعية ثقافية تصدر عن قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة)/ العدد: 949

علي عبد الجواد

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا