غنى النفس وكفايتها
2021/12/30
469

يا هشام:

"من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله في مسألته، بأن يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، ومن قنع بما يكفيه استغنى، ومن لم يقنع بِما يكفيه لم يُدرِك الغِنى أبداً.

إن حاجات الإنسان الأساس عديدة، ولكنها قد تزداد تبعاً لطريقة حياته، أو ازدياد حاجته ومسؤوليته، كما قد تزداد تبعاً لطمع نفسه وما تشتهيه من الرخاء، إذ أنها نزَّاعة لطلب الرخاء والراحة.

فتارةً يقدر على تأمين حاجته، ويكتفي، وأخرى لا يقدر فيحتاج السؤال لدين أو مساعدة، وأخرى يكتفي ولكن نفسه لا تشبعها الكفّاية.
فهذان عنوانان أشارت لهما الفقرتان من الوصيّة المباركة لإمامنا الكاظم عليه السلام لهشام، وهما: الغنى والسؤال، وسنتعرض في هذه الحلقة لهذين المعنيين مبينين بعض خصائصهما وما أوصى به الإسلام بشأنهما.

ليس المراد من الغنى أن يكون المرء ذا إمكانات مادية يحقق بها الرغبات التي يريدها في الحياة الدني، فهذا المعنى واضح لكل الناس، ولكن المراد منه الحالة النفسية التي تجعل المرء مستغنياً عن الحاجة للناس، ولطلب المدد والعون منهم، وهذا هو المعنى المراد من غنى النفس في مقابل غنى المال.

وقد وردت في الأحاديث الشريفة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت (عليهم السلام) روايات كثيرة تدل على فضل غنى النفس وتدعو إليه، منها ما ورد عن رسول الله الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): "خير الغِنى غنى النفس".

ويقول جلَّ وعلا في وصف المؤمنين: ﴿لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.

فترك التفكير بما في أيدي الناس من المال والمتاع  أيتها الأخوات هو الغنى، وهو تعبير آخر ومعنى مرادف وقريب من الزهد، وكثيراً ما يرد على لسان العلماء قولهم الزهد عمّا في أيدي الناس، وفيما أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: "يا موسى، لا تركن إلى الدنيا ركون الظالمين، وركون من اتخذها أمّاً وأباً.. واترك من الدنيا ما بك الغنى عنه".


 فكيف تستغني النفس؟

ان غنى النفس يتحصل عبر المجاهدة لها بالدرجة الأولى، والقناعة بالدرجة الثانية، ويعتمد هذان الأمران على أمرين آخرين أساسين وهما:
كمال العقل: وهذا ما أشار له الإمام الكاظم (عليه السلام) في الوصيّة فمن تمام العقل أن يقنع المرء بما قسم الله تعالى له من الرزق، ن يكتفي بما بين يديه ممّا هيّأه الله تعالى له، ويقطع الطمع والنظر لما في أيدي الناس وإتعاب قلبه بما لا يدرك.

في مقابل غنى النفس وزهدها عمّا في أيدي الناس، هنالك الطلب، فكثير من الناس يسعى لنيل حاجته بالطلب والسؤال، وهذا ما تعرّضت له الروايات الكثيرة محدِّدة موقفاً سلبياً منه، حيث اعتبرته بالدرجة الأولى مذّلةً للنفس، فعن الإمام زين العابدين عليه السلام: "طلب الحوائج إلى الناس مذلة للحياة، ومذهبة للحياء، واستخفاف بالوقار، وهو الفقر الحاضر، وقلّة طلب الحوائج من الناس هو الغنى الحاضر
وقصده (صلى الله عليه وآله وسلم) بمن لم يكن ثم كان الإنسان، لأنّه معلول والمعلول محتاج للعلة في أصل الوجود وفي البقاء والاستمرار، فلو توقف فيض العلة عليه لحظة واحدة لانعدم، فكيف يسأل الإنسان إنساناً مثله وهما محتاجان جميعاً للغني المطلق؟!

 فمَن نسأل إذاً؟

نسأل الغني المطلق الذي يملك حوائج السائلين من العباد، وهو أرحم الراحمين وخير المعطين، من لا يوقفنا على بابه، بل ترك لنا باب دعائه مفتوحاً، في أيّ لحظة نلجأ إليه ولم يحتجب عنا بحاجب سوى ما نصنعه نحن من قبائح ذنوبن، فهو الأحقّ بالمسألة لأنّه خالق كلّ شيء ومليكه وبيده أن يسخّر الأرض والسماء وكلّ الخلق لإرادته وأمره، فعن الإمام علي (عليه السلام): " لا تسألوا إلا الله سبحانه، فإنّه إن أعطاكم أكرمكم، وإن منعكم خار لكم"
ولكن إذا اضطررنا للّجوء للحالة الاستثنائية في الطلب من الناس، بحيث لم يكن هنالك من بديل آخر لقضاء حاجتنا المهمّة، فإنّ للطلب من الناس آداباً أرشدتنا إليها الروايات الشريفة، ومن هذه الآداب:

طلب المعروف من أهله أي من أهل المعروف، وأهل الكرم والجود والسخاء، من إذا سألهم الأخ المحتاج أكرموه بقضاء حاجته تقرّباً لله وعملاً بحسن سجاياهم.

والابتعاد عن غير أهله أي من أهل المنع والوجوه العابسة القاتمة، التي وإن كانت تعيش في نعمة من الله إلاّ أنّها لا تؤدّي حقّ الله تعالى، ويمنعها لؤم طباعها من قضاء حوائج المؤمنين، فلا تقدم على هذا الطلب من هؤلاء الناس لأنّ في ذلك إذلالاً للنفس، وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله عزّ وجلّ فوَّض إلى المؤمن أموره كلّها ولم يفوّض إليه أن يذلَّ نفسه، ألم تسمع لقولِ الله عزَّ وجل: ﴿وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾؟ فالمؤمن ينبغي أن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً، يعزُّه الله بالإيمان والإسلام.

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: برنامج ترانيم الغدق-الحلقة الثامنة-الدورة البرامجية66.


 

 




تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا

فقاعة

2022-05-27