الشباب وبرّ الوالدين
2021/01/12
166

بر الوالدين من أهم المهمات، وأعظم القربات، وأجلِّ الطاعات، وأوجب الواجبات، وعقوقهما من أكبر الكبائر، وأقبح الجرائم، وأبشع المهلكات , وقد جاء حق الوالدين مقروناً بعبادة الله عز وجل في آيات كثيرة ، منها قوله عز وجل: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). وقال عز وجل: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.

وقال عزّ وجل: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} وغيرها من الآيات التي تعظم شأن الأبوين، وتحض على إجلالها ومصاحبتهما بالبر والمعروف وتبين مقامهما الرفيع، وضرورة مكافأتهما بالشكر الجزيل، والبر والاحسان اللائقين بهما.

فبر الوالدين من افضل صور الجهاد وقد اكد هذا المعنى ما جاء في كتب الحديث حيث روي ان رجلا جاء للنبي الاعظم (ص وآله) وكان يريد الجهاد وامه تمنعه – فقال له النبي (ص وآله): (عند امك قر، وإن لك من الأجر عندها مثل مالك في الجهاد ).

و بر الوالدين اختي المؤمنة من أفضل الأعمال، وأقربها إلى الجنة، وأحبها إلى الله تعالى بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام؛ لأن النبي (ص وآله)أخبر بذلك ورتبه بـ (ثم) التي تعطي الترتيب والمهلة  , فقد روي عنه (ص وآله)انه قال: (أفضل العمل الصلاة على ميقاتها، ثم بر الوالدين، ثم أن يسلم الناس من لسانك).

جاء في الحديث عن زكريا ابن إبراهيم ( من أصحاب الإمام الصادق) (عليه السلام) قال: "كنت نصرانياً فأسلمت وحججت فدخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فقلت: إني كنت على النصرانية وإني أسلمت، فقال: وأي شيء رأيت في الإسلام؟ قلت: قول الله عز وجل (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء) فقال: لقد هداك الله، ثم قال: اللهم اهده - ثلاثاً - سل عما شئت يا بني، فقلت: إنّ أبي وأمي على النصرانية وأهل بيتي، وأمي مكفوفة البصر فأكون معهم وآكل في آنيتهم؟ فقال يأكلون لحم الخنزير؟ فقلت: لا، ولا يمسونه، فقال لابأس فأنظر أمك فبرها، فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك، كن أنت الذي تقوم بشأنها ولا تخبرنّ أحدا أنك أتيتني حتى تأتيني بمنى إن شاء الله قال: فأتيته بمنى والناس حوله كأنّه معلم صبيان، هذا يسأله وهذا يسأله، فلما قدمت الكوفة ألطفت لأمي وكنت أطعمها وأفلي ثوبها ورأسها وأخدمها، فقالت لي: يا بني ما كنت تصنع بي هذا وأنت على ديني، فما الذي أرى منك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفية ؟ فقلت: رجل من ولد نبينا أمرني بهذا: فقالت: هذا الرجل هو نبي؟ فقلت: لا، ولكنه ابن نبي، فقالت: يا بني إنّ هذا نبي، إنّ هذه هي وصايا الأنبياء، فقلت: يا أماه إنّه ليس يكون بعد نبينا نبي ولكنه ابنه، فقالت: يا بني دينك خير دين، اعرضه عليّ فعرضته عليها، فدخلت في الإسلام، وعلمتها، فصلت الظهر والعصر والمغرب والعشاء والآخرة، ثم عرض لها عارض في الليل، فقالت: يا بني أعد عليّ ما علمتني فأعدته عليها، فأقرت به وماتت، فلما أصبحت كان المسلمون الذين غسلوها وكنت أنا الذي صليت عليها ونزلت في قبرها.

ما اروعها من قصة.. وما اروع البر الذ جاء به الاسلام فكان سبباً للدخول الى رحابه المقدسة!

أختي الفاضلة: لقد خص الله حالة الكبر للوالدين بمزيد من الأمر بالإحسان، والبر، واللطف، والشفقة والرحمة؛ لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بر الابناء ؛ لتغير الحال عليهما بالضعف، والكبر، فألزم سبحانه وتعالى في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل؛ لأنهما في هذه المرحلة يحتاجان أن يلي منهما الابناء في الكبر ما كانوا يحتاجونه في صغرهم أن يليا منهم؛ ولهذا خص هذه الحالة بالذكر، وقد أمر الله الابن أن يقابل ابويه بالقول الموصوف بالكرامة وهو السالم عن كل عيب ، فقال عز وجل: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}. وأمره الله عز وجل أن يتواضع لهما ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة احتساباً للأجر, لا للخوف منهما، وأمره عز وجل أن يدعو لهما بالرحمة: أحياءً، وأمواتاً، جزاءً على تربيتهم وإحسانهم، فقال عز وجل(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).

 إنّ الإسلام يعد أنّ شخصية الإنسان تكتمل بوصوله إلى سن البلوغ، فيصبح مكلفاً وصاحب شخصية مستقلة وترتفع بذلك كل أشكال الولاية والوصاية وتوجب له الكثير من الحقوق الكبيرة.

ولكن ما ذكرناه لا يلغي أن يكون للأبوين دوراً في القرارات المصيرية التي يريد الشاب اتخاذها أو الخطوات التي يريد الإقدام عليها، فمن مقتضيات الأدب والخلق الرفيع أن لا يستبد الشاب برأيه، بل يجدر به أن يستشير والديه فيما يريد الإقدام عليه، وأن يستفيد من خبرتهما وتجاربهما في الحياة، فإنّ حق الوالدين على الولد كبير وعظيم، وعليه أن يحترمهما ويوقرهما ويحسن إليهما وأن لا يتصرف أي تصرف يؤذي مشاعرهما ولا يجوز له بحال أن يقطع رحمهما، بل ينبغي له أن يحرص دائماً على رضاهما، ويجتنب رفع صوته في وجههما أو إغضابهما فيدخل بذلك في مستنقع العقوق الضحل.

فمن الواضح اختي الكريمة ان نكران الجميل ومكافأة الإحسان بالإساءة، أمران يستنكرهما العقل والشرع، ويستهجنهما الضمير والوجدان وكلما عظم الجميل والاحسان كان جحودها أشد نكراً وأفظع جريرة واثماً.

وبهذا المقياس ندرك بشاعة عقوق الوالدين وفظاعة جرمه، حتى عدّ من الكبائر الموجبة لدخول النار، ولا غرابة فالعقوق - فضلاً عن مخالفته المبادئ الانسانية، وقوانين العقل والشرع- دال على موت الضمير، وضعف الايمان، وتلاشي القيم الانسانية في العاق.

فقد بذل الأبوان طاقات ضخمة وجهوداً جبّارة، في تربية الأبناء وتوفير ما يبعث على إسعادهم وازدهار حياتهم مادّيا وأدبياً، ما يعجز الأولاد عن تثمينه وتقديره ، فكيف يسوغ للأبناء تناسي تلك العواطف والألطاف ومكافأتها بالإساءة والعقوق؟

من أجل ذلك حذرت الشريعة الاسلامية من عقوق الوالدين أشد التحذير، وأوعدت عليه بالعقاب العاجل والآجل، قال الصادق(عليه السلام): «لو علم اللّه شيئاً هو ادنى من أف، لنهى عنه، وهو من أدنى العقوق، ومن العقوق ان ينظر الرجل الى والديه، فيحدّ النظر اليهما".

إن من أهم الصفات النبيلة التي يجب أن يتحلى بها الابناء والشباب خاصة بر الوالدين، وليس البر مقصوراً على حياة الوالدين فحسب، بل هو ضروري في حياتهما وبعد وفاتهما، لانقطاعهما عن الدنيا وشدة احتياجهما الى البر والاحسان ، وقد تتساءلين ما أنواع البر التي يصل بها الوالدان بعد موتهما؟ 

وفي الجواب نقول: إنها  كثيرة متنوعة، ومنها الاستغفار لهما؛ لقول الله تعالى ذاكراً دعاء إبراهيم: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ  رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}.

وقال تعالى ذاكراً دعاء نوح: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} ؛ وكذلك لرواية لأبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: (ستة تلحق المؤمن بعد موته: ولد يستغفر له، ومصحف يخلفه، وغرس يغرسه، وقليب يحفره، وصدقة يجريها، وسنة يؤخذ بها من بعده)، وكذلك من صور البر قضاء الدين عنهما ففي رواية لاحد الائمة الاطهار -: (لا تزال نفس المؤمن معلقة ما دام عليه دين). 

وكذلك من صور البر تنفيذ وصيتهما إن كان لهما وصية، وقضاء صيام الفرض من شهر رمضان عنهما، وصلة من كانا يحبان صلته في حياتهما , فيجب على كل الشباب الالتفات الى بر الوالدين في حياتهما وبعد مماتهما , ورد عن الإمام الباقر(عليه السلام)انه قال :(إن العبد ليكون بارا بوالديه في حياتهما، ثم يموتان فلا يقضي عنهما ديونهما ولا يستغفر لهما فيكتبه الله عاقا، وإنه ليكون عاقا لهما في حياتهما غير بار بهما، فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما فيكتبه الله عز وجل باراً).  

وأخيراً فلنردد على الدوام ما كان يقوله امامنا زين العابدين (عليه السلام) في دعائه لأبويه: ( اللهم اجعلني أهابهما هيبة السلطان العسوف، وأبرهما بر الام الرؤوف، واجعل طاعتي لوالدي وبري بهما أقر لعيني من رقدة الوسنان، وأثلج لصدري من شربة الظمآن، حتى اوثر على هواي هواهما). 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: برنامج مهلاً أيها الشاب-الحلقة الثانية-الدورة البرامجية61.

 

 

 

 

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا