حين يصبح الأب ظلًّا ينتظر الحنين!
2025/12/18
99

حين يركضون نحو أحضانها، ويبقى قلب الأب صامتًا كغيمةٍ تنتظر المطر!

 

عندما يعود الأطفال من يومهم الطويل، يتجهون بخطواتهم الصغيرة مباشرة نحو غرفة الجلوس، حيث تجلس أمهم كملكة في عرش الحنان، يلقون بحقائبهم دون اكتراث، ويغرقون في تفاصيل يومهم معها، يرتمون في حضنها كما لو أنّ العالم بأسره يتلخص في هذا الدفء.

 

أما أنا، فغرفتي ليست بعيدة عنهم، بابها موارب ينتظر أن يُفتح، لكنهم نادرًا ما يتوقفون عنده! أسمع ضحكاتهم تملأ المكان، وتصلني كلماتهم المبعثرة، لكنّها لا تعبر عتبة بابي.. أبتسم، على الرغم من أنّني أحيانًا أتمنى أن يحيدوا عن طريقهم للحظة، ليطرقوا بابي ولو بخجل.

 

تمر دقائق طويلة قبل أن تهمس لهم أمهم بحنانها الذي لا يقاوم: (ألم تسلّموا على أبيكم بعد؟).

 

فيتحركون ببطء، بخطوات خجولة، وكأنّ المسافة من حيث يجلسون إلى حيث أنا طويلة كرحلة العمر، يدخلون واحدًا تلو الآخر، يلقون التحية وكأنّها عبور سريع إلى وجهة أخرى، وحين يغادرون، تظل بقايا كلماتهم عالقة في روحي كنجومٍ تتألق على استحياء.

 

ومع ذلك، لا أحزن، فقلبي يتسع لميولهم التي تنجذب نحو أمهم، مثلما تنجذب الأزهار نحو الشمس، فالأم هي الوطن الأول، وهي اللغة التي يتحدثها الحنان دون تعقيد، أراهم يتسابقون لإسعادها، يشترون لها قطعة الحلوى المفضلة، أو يرسمون لها قلبًا على ورقة صغيرة.. وأنا، أراقب المشهد من بعيد، وأكتفي بأن أكون ظلًّ يدعم كلّ هذه الفوضى الجميلة.

 

الغريب أنّ حب الأبناء لآبائهم لا يظهر إلا عندما يثقلهم النضج، أو حين تداهمهم قسوة الحياة! في تلك اللحظة، يدركون أنّ الأب كان الحائط الذي استندوا إليه بصمتٍ طوال الوقت، ذلك الحائط الذي بدا ثابتًا لا يُزعزع، لكنّه كان يخفي في أعماقه كلّ مشاعر العالم.

 

وحين تختلط عليّ الدروب، أو تضيق عليّ الأيام، أستدير نحو السماء وأهمس: أبي، لم أكن أحتاج سوى لصمتك الذي كان يعيد ترتيب فوضاي.

 

وحين أسدلُ ستار تأملاتي، أجد نفسي أهمس بأبيات تُلامس الروح:

 

وأحنو عليكَ إذا جنَّ ليلي

 فأنتَ الأمانُ إذا ضاقَ صدري

 

تسيرُ الظلالُ ولا ألتفتُ

 إلا إليكَ كنجمي الأسري

 

فيا أبتي، لو تعودُ اللحظاتُ

 لزرعتُ حبَّك فوقَ عمري.

 

  • د. بتول عرندس
__________________________________________
نشرة الخميس/نشرة أُسبوعيةٌ ثقافيةٌ (مجانية)، تتناولُ المعارفَ القُرآنيةَ، والعقائديةَ، والفِقهيةَ، والتاريخيةَ، والأخلاقيةَ، والتربويةَ، والاجتماعيةَ، والصحيةَ بأُسلوبٍ مبسّطٍ ومختصرٍ، تصدر عن العتبة العباسية المقدسة/ العدد 1066.
تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا