2026/03/10
28 غادر الإمام علي (عليه السلام) هذه الدنيا بنفس مطمئنة وقلب مستقر وواثق.. فلم يتأوه ولم يعبر عن ألم أو جزع، بل قال وهو يسمع صوت السيف ويرى أثر الضربة على رأسه وشيبته المقدسة: «فُزتُ ورَبِّ الكعبةِ»، فما أعظم إيمانه وأقوى جنانه (صلوات الله وسلامه عليه)؟!
وما ذلك إلا لعلمه ويقينه بأنّه على بصيرة كاملة، فقد أدى ما عليه في كلّ مراحل حياته، فلقد عاش (عليه السلام) مع النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وأحسن صحبته، واستجاب لدعوته، ونصَرَه بكلِّ ما أُوتي من قوة، وسار على منهجه الكريم (صلى الله عليه وآله) بعد رحيله، حتى التحق به وهو شهيد.
وقد بقي ولداه الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) يقومان بدورهما في إبقاء هذا المنهج المقدس، واستمر الأئمةُ من بعد الإمام الحسين (صلوات الله عليهم) على نفس الخطى، وفي كلّ مرحلة كان هناك معسكر للحقّ وفي مقابله معسكر للباطل، وإن اختلفت آليات الصراع في كلّ مرحلة.
وقد استطاعوا (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) بمجموعهم بناء أُمّة تؤمن بحقّهم في إقامة الحقّ والعدل على أساس العبودية والخضوع لله وحده، وستبقى هذه الأمة الصابرة والمضطهدة ثابتة على منهجها ومسيرتها إلى أن يحين الموعد الإلهي في ظهور بقية الله (صلوات الله عليه).
ولا شك في أنّ طرفي الصراع هما سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) من جهة، وقريش بما لها من ثقل وموقع يقوم على الشرك والكفر، وقد امتد كلا الطرفين بامتداد الزمان والمكان، فصار لكلٍّ منهما منهج ومشروع وقيم وثقافة متراكمة ومتوارثة.
ويمكن القول: إنَّ الخمسةَ أصحاب الكساء (صلوات الله عليهم) يمثّلون منظومة مترابطة في صراعهم مع قوى الشرك التي نشأ الإسلام في بيئتها، وقد دفعوا -من أجل إبقاء هذا الدين- الأثمانَ الغالية من دون تردد أو شك؛ وذلك لأنّهم كانوا على بصيرة في طبيعة الصراع وواقع كلا المعسكرين ونتائج الصراع.
فالصراع في حقيقته ليس مع أهل البيت (عليهم السلام)، بل هو صراع مع النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، حيث ختمت قريش صراعها معه (صلى الله عليه وآله) فاتّهمتْهُ بالهذيان والهجر وهو (صلى الله عليه وآله) يريد أن يضمن لهم ما يحفظهم من الضلال.
ويشير إلى ذلك بوضوح أميرُ المؤمنين (عليه السلام)، فقد ذكر ابنُ أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة: ج٢٠/ص٢٩٨) أنّه (عليه السلام) قال: «اللّهُمَّ إنّي استعديك على قريش، فإنّهم أضمروا لرسولك (صلى الله عليه وآله) ضروبًا من الشر والغدر، فعجزوا عنها، وحلتَ بينهم وبينها، فكانت الوجبة بي، والدائرة عليّ. اللّهُمَّ احفظ حسنًا وحسينًا، ولا تمكّن فجَرَة قريش منهما ما دمتُ حيًّا، فإذا توفّيتني فأنتَ الرقيب عليهم، وأنت على كلّ شيء شهيد».
وقال (عليه السلام): «كلّ حقد حقدته قريش على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أظهرته فيَّ، وستُظهره في وُلدي من بعدي، ما لي ولقريش! إنّما وترتهم بأمر الله وأمر رسوله، أفهذا جزاء مَن أطاع اللهَ ورسولَه إن كانوا مسلمين؟!» (شرح نهج البلاغة: ج٢٠/ص٣٢٨).
ويمكن القول: إنَّ الإمام عليًّا (عليه السلام) شرح ما سيحققه على أرض الواقع في خطبته التي خطبها عند خروجه لقتال أهل البصرة، إذ قال عبد الله بن عباس: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: «ما قيمة هذا النعل؟»، فقلت: لا قيمة لها. فقال (عليه السلام): «والله لَهيَ أحبُّ إليَّ من إمرتكم، إلا أن أُقيم حقًّا أو أدفع باطلًا».
ومن قراءة هذه النصوص تتضح الصورة في واقع الصراع ونتائجه، حيث استطاع (عليه السلام) أن ينقب في سواد دولة الباطل التي أسستها قريش بعد النبي (صلى الله عليه وآله) نقيًّا يضيء لمن يريد أن يكتشف الحقيقة ويستظل بظلّها، وتكونت من جهاده وصبره وصبر الأئمة من ذريته (صلوات الله عليهم أجمعين) أُمة مؤمنة صابرة ومحتسبة تسير على خطاه وتتطلع إلى رضاه (صلوات الله عليه).
2026-03-10
2026-03-08
2026-03-03
2026-02-22