يروى عن أبي عبد الله (ع): (استقبل رسول الله
(صلى الله عليه وآله) رجل من بني فهد وهو يضرب عبداً له، والعبد
يقول: أعوذ بالله فلم يقلع الرجل عنه، فلما أبصر العبد رسول الله
(صلى الله عليه وآله) قال: أعوذ بمحمد، فأقلع عنه الضرب، فقال رسول
الله (صلى الله عليه وآله): يتعوذ بالله فلا تعيذه؟ ويتعوذ بمحمد
فتعيذه؟ والله أحق أن يجار عائذه من محمد، فقال الرجل للعبد: أنت حر
لوجه الله.
فقال الرسول(ص وآله): ( والذي بعثني
بالحق نبياً لو لم تعتقه لوجه الله لواقع وجهك حر
النار).
فهنا نرى أن رسول الله(ص وآله) رغم
كماله الذي بلغه فهو يستصغر نفسه ومكانته أمام عظمة الخالق وبهذا
التواضع لله نال تلك الدرجة الرفيعة عند الباري جل وعلا وعند
خلقه.
قال رسول الرحمة محمد(ص
وآله): (طوبى لمن تواضع في غير مسكنة وخالط أهل الفقه
والحكمة).
يقول أمير المؤمنين(ع): (ثلاث
يوجبن المحبة الدين، والتواضع، والسخاء)، والتواضع هو ضد الكبر وهو
أحد العناصر الأساسية للشخصية ألإنسانية، وينقسم إلى قسمين
هما:
أولاً: التواضع لله
تعالى:
وهي حالة يستصغر فيها الإنسان ذاته
ويحتقر نفسه ويشعر بالخشوع والخضوع والذلة أمام الله جل وعلا،
ينظر إلى عظمة الله تعالى فيرى الكمال المطلق والقدرة ألا متناهية
إلى خالقه العظيم، وينظر إلى نفسه فيراها محدودة وضعيفة كما قال
مولانا علي عليه السلام (تؤلمها البقة وتقتلها ألشرقه وتنتنها
ألعرقه) فيتصاغر ويزاد خشوعاً وخضوعاً ويستشعر العبودية الكاملة لله
تعالى، فكلما ازداد الإنسان معرفة بالله تعالى ازداد عبودية لله
واستصغر نفسه وذللها أمام الخالق العظيم.
ثانياً: التواضع
للمؤمنين:
وهو ثمرة من ثمرات التواضع لله
تعالى فان الإنسان أذا حل في النفس كشف عنها ظلمات الذاتية
والأنانية فإذا انكشفت تلك الظلمات أصبح الإنسان متحرر من قيود
وأغلال ال(أنا) وينظر بعيداً ويعرف حجمه وحقيقة وجوده وينظر إلى
الآخرين بعين الاحترام والتوقير فلا يتطاول على أحد بل يعتبر كل من
يلتقي من المؤمنين أفضل منه فإن كان أكبر منه قال: سبقني في الإيمان
والعمل الصالح، وإن كان أصغر منه قال: سبقته بالمعاصي
والذنوب،
قال رسول الله محمد(ص وآله):
(مالي لا أرى عليكم حلاوة العبادة، قالوا: وما حلاوة
العبادة، قال التواضع).
كما أن التواضع هو ضد الكبر وهو
انكسار للنفس يمنعها من أن ترى لذاتها ميزه على الغير وقد وردت
الكثير من الأحاديث عن مدح التواضع وفوائده على الإنسان منها
ما ورد عن رسول الله(ص وآله): (ما تواضع أحد لله ألا رفعة الله )
وقال أيضاً: (أربع لا يعطيهن الله ألا لمن أحبه: الصمت، والتوكل على
الله، والتواضع والزهد في الدنيا).
وفي حديث قدسي عن الله جل وعلا: (أن
الله أوحى إلى موسى: أنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتعاظم على
خلقي وألزم قلبه خوفي وقطع نهاره بذكري وكفَّ نفسه على الشهوات من
أجلي).
ويروى أيضاً عن عيسى ابن مريم
(عليهما السلام) أنه قال: (طوبى للمتواضعين في الدنيا، هم أصحاب
المنابر يوم القيامة)، وروي عن الصادق(ع): (التواضع أصل كل شرف ومرتبة
رفيعة، ولو كان للتواضع لغة يفهمها الخلق لنطق عن حقائق ما في
مخفيات العواقب، والتواضع ما يكون لله وفي الله، وما سواه فكبر، ومن
تواضع لله شرّفه الله على كثير من عباده، ولأهل التواضع سيماء
يعرفها أهل السموات من الملائكة وأهل الأرض من العارفين.
آثار التواضع
للتواضع أثار اجتماعية عظيمة في
شخصية الإنسان ومن تلك الآثار انتشار فضله وارتفاع شأنه بين الناس
وسمو شرفه وتعاظم قدره وازدياد حبه في قلوب الناس فهو يملك القلوب
من غير سلطة ألا سلطة الخلق الرفيع، والسر في ذلك هو أن سنة الله
تعالى في خلقه، ما من إنسان تواضع لله تعالى ألا رفعه الله كما أكدت
على ذلك الكثير من ألا أحاديث الشريفة منها (من تواضع عظمه الله
ورفعه) وهذه الرفعة تأتي من قرب الإنسان لله تعالى لان المؤمن
كلما تواضع لله أزاد قربا أليه كما ورد في خبر عن رسول الله(ص وآله)
قال: (أوحى الله إلى داود، يا داود أن اقرب الناس مني يوم القيامة
المتواضعون، وابعد الناس مني يوم القيامة المتكبرون).
قال رسول الله(ص وآله):
(اذا هدى الله عبدا للإسلام وحسن
صورته وجعلة في موضع غير شائن له ورزقه مع ذلك تواضعا، فذلك من صفوة
الله).
إن أجمل ما يتصف به العبد المؤمن هو
التواضع فللتواضع أثره الفعال في تقدم الامم وازدهارها ، فما أجمل
أن ترى شخص ذا شأن رفيع ومكانة عالية في المجتمع وقد تحلى بالتواضع
، فلا يزيده ذاك التواضع الا علو في نفوس
الاخرين.
وخير مثال على المتواضعين هم آل بيت
الرسول (عليهم على الرسول افضل الصلاة والسلام)، فما ،جمل ان نتحلى
بالتواضع ونتأسى بالزهراء وسيدة النساء فاطمة بنت محمد (عليها
السلام) ونأخذ منها ومن تواضعها أنموذجاً
لحلقتنا، فللزهراء
خادمة تدعى (فضة)، فلنسأل أنفسنا كيف كانت الزهراء(ع) تعامل خادمتها
فضة؟وهل كانت تنظر إليها نظرة الخادمة أم نظرة الأخت
والصديقة؟
عاملت
الزهراء (عليها السلام) خادمتها فضة أحسن معاملة اتخذت منها صديقة
تعاونها في أمور البيت ولم تنظر لها نظرة استصغار أبداً بل قسمت
العمل فيما بينا وبين خادمتها جعلت يوم من العمل عليها ويوم من
العمل على فضة، كان بوسع الزهراء(ع) أن لا تعمل شيئاً في البيت وتضع
العمل كله على عاتق فضة كونها عليها السلام بنت رسول الأمة وزوجة
وصيه لكن أخلاق الزهراء(ع) تأبى ذاك التعامل وتلك النظرة الدونية
للناس، فحبذا لو نقتدي بها ونجعل منها عنواناً لنا في تعاملنا
مع الأخريات أو مع من هم أقل منا شأناً، فالتكبر صفة ذميمة تؤدي إلى
انحطاط المجتمع والتواضع صفة حميدة تجعل من المجتمعات الإنسانية
مجتمعات راقيه تسمو بتواضع أهلها ومساعدتهم لبعضهم البعض دون أن يرى
الغني نفسه أسمى من الفقير والعالم يرى نفسه أعلى درجة من الجاهل
والسادة يرون العبيد أدنى منهم درجة فلكل عند الله سواسية إذ لا فرق
لعربي على أعجمي ألا بالتقوى) وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض
هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً).
ودع التجبـّر والتكبـر يا أخـــي...
إن التكبـر للعبيـد وبيــــل
واجعل فؤادك للتواضع منزلاً... إن
التواضع بالشريف جميل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: برنامج بأخلاقي أحيا-
الحلقة الرابعة - الدورة البرامجية47.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر