الشخصية الوسواسية
2019/11/30
596

الوسواس مرض أساسه الشيطان الرجيم فإذا كان في الدين أو النظافة والطهارة، فيبدأ الشيطان الرجيم ببث الافكار والدعوات في ذهن الانسان، ويبدأ ذلك الشخص بالاستجابة لتلك الافكار والوساوس، فاذا كان مستوى استجابة الشخص بدرجة عالية تمكن الشيطان من بث وساوسه بشكل كبير حتى يصل الى اقصى غاياته وهي انحراف الانسان عن جادة الشرع والطريق المستقيم، وهذا النوع من الوسواس خطر جداً؛ لان جوهر الوسواس هو الشك في كل شيء، فاذا كان في النظافة والطهارة فانه يشك في وجودهما بشكلدائم، فيتوضأ ويشك في وجود القذارة على يديه فيعيد الوضوء، وقد يعيد الوضوء؛ لأنه يشك في طهارة الماء، وقد لا يصلي في كثير من الاماكن لعدم طهارتها لشكه مسبقاً بعدم طهارتها، فتكون نتيجة الوسواس خطرة في شخصية الانسان، ومن ثم يؤثر ذلك بالآخرين وعلاقاته العامة والخاصة، وقد ذكرت النصوص الدينية وسوسة الشيطان، قال تعالى: ﴿مِنْ الْوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾.
فإن عمل الشيطان هو التزيين، وإخفاء الباطل تحت طلاء الحق، والكذب في قشر من الصداق، والذنب في لباس العبادة، والضلال خلف ستار الهداية.
وقوله سبحانه: (وأيدهم بروحٍ منه) يصرح بوضوح حول وسوسة الشيطانوخطورتها على الانسان، فاذا سلمَ أمره لهذه الوساوس تمكنت منه، واصبح ذليلاً لها، وصور الوسواس كثيرة وفي بعض الاحيان لا يكشفها أي أحد بسهولة وبعض الاشخاص لا يريد أن يعرفه أحد بأنه وسواسي لأسباب كثيرة، والعيش بهذه الصفة يضيق على الانسان ويجعله في تعاسة واضطراب على الدوام، ولا يقبل اي جديد في حياته وينمو في داخله البعد الحدي فلا يقبل اي وسطية فكل الامر عنده متوقف، والوسواس يشمل الذكر والانثى، واصعب ما يكون فيما اذا كان أحد الطرفين مصاباً به والآخر يكرهه، فاذا كانت الزوجة مصابة بالوسواس، فإن الزوج يبقى يعاني وفي قلق دائم، اذ لا يعلم كيف يبدأ معها واي لغة يحكي لها، والعكس ايضاً اذا كان الزوج وسواسياً فان زوجته تبقى تعاني منه، وقد يحصل الافتراق بينهما لعدم تحمل الطرف الآخر لحالة المصاب، فإذا حل في بيت قلبه الى ضوضاء ومشاكل، كذلك في النفس يقلبهاعن حالتها الطبيعية، فإن الجزء الأكبر في السواس شيطاني وبعضه من مرض نفسي، والأول أخطر والثاني يعالج بالعقاقير والجلسات الخاصة عند الطبيب المختص.

التفاعل مع الأفكار والهواجس والمخاوف تشكل نتيجة الوسوسة حيث تبثُ صوراً في فكر الانسان مختلفة، وأفكاراً غريبة يصبح الانسان معها مقيداً لا يتحرك دون أن ينظر إليها ويعيد حساباته وفق تلك الآليات والخطط التي تُرسم له، فيعيش الوسواسي أجواءً مخيفة ومزعجة لا يمكن أن يتصورها الانسان، لكن ما يخفف الامر ويجعله هيناً، ان عالم الوسوسة عالم فوضوي وخيالي وهمي لا حقيقة له، لكن الانسان كلما تفاعل مع تلك الافكار ازدادت حالته سوءًا، فان الاهتمام بالقضايا النفسية يولد عقدة الوسوسة، فمن خلال رؤية أغلب ممن يتصفون بهذه الحالة نلاحظ عليهم التعصب والتوتر في مواقف كثيرة جداً، وبعض الاحيان يكون في هدوء تام لنسيانه الوسوسة والافكار الغريبة، حسب الحالات التي يكون عليها.

أنواع الوسوسة


1- الوسوسة في العبادات

يتلخص الحديث عن هذه الحالة، بان يشُك الانسان بصحة عباداته لان العبادات لا تصح دون شروط كثيرة، فيصبح شاكاً في حصول تلك الشروط في عباداته، فيشك في الطهارة كالوضوء واجزائه وشروطه وطهارة الماء وطهارة الثوب وطهارة من يلامسه، وقد يشك في الصلاة فيعيد الصلاة مرات ومرات حتى يحصل له اليقين بصحتها، وكذلك اجزاؤها كالقراءة والنية وتكبيرة الاحرام فيعيد تكبيرة الاحرام مرات عدة، ويعيد اللفظ كذلك حتى يستهزئ به من حوله، ولا يأخذ النصيحة من الآخرين مهما كانت صادقة بل يراها في كثير من الاحيان مملة ومخجلة ومحرجة مما يزداد توتره النفسي ولا يرضى باي شخص يتدخل، ثم يعلم شيئاً فشيئاً انه مصاب بالوسواس لكنه لا يستطيع بتلك السهولة ان يتخلص منه.

2- الوسوسة من الموت

من أخطر انواع الوسوسة القهرية هو التفكير بالموت ليلاً ونهاراً وفي كل لحظة وفي كل موقف، وهذا ليس تفكيراً ايجابياً، وانما تفكير يسلب من الانسان لبه وعقله، فهو الخوف من الموت ونقيض للمستقبل، فيتصور انه يموت في كل وقت ولا يمكن أن يذهب الى المكان الذي يشعر بخطورته، ومنهم من يكون مقيداً لأفكاره فلا يخرج من بيته ابداً خوفاً من حصول الموت، ان الموتحق ولا خلاف في هذا الكلام مطلقاً، فقد ورد الحث الديني على أهمية التفكر في الموت وأخذ الحذر والعظة والعبرة، وهذا التفكير الايجابي يحصن الانسان من الدخول في المناهي والمعاصي فيصبح سبباً في رقي الانسان وتكامله واتزانه ولا تصل به النوبة الى أن يكون شخصاً متمرداً على الجميع ناسياً حلال الله وحرامه، والفرق يظهر بين الحالتين، فالتفكير بالموت يرقي العبد ويرفع من مقامه؛ لأنه سلوك يحذر معه من ارتكاب الموبقات فيصبح نقياً، والوسوسة من الموت تهدم حياة الانسان ومستقبله وكل آماله فلا يعيش حياةالبشر الطبيعية ولا يهنأ بالحياة ابداً كانسان له شعور واحاسيس وله قضايا كبيرة خُلقَ من أجلها.

3- الوسوسة من المستقبل

عادة الانسان لا يطمئن للشيء المجهول ويبقى يبحث عنه، ويطلب معرفته بشكل مكثف وبطرق مختلفة، واكثر ما يشد الانسان لان يعرفه هو مستقبله، اذ يعتبر مجهولاً مربكاً من جهات عدة، فيحصل لبعض الاشخاص الخوف الشديد من المستقبل، ويجري حسابات قد تنسجم مع التفكير ونتاجه، فان المستقبل بيد الله أولاً وأخيراً، شريطة ان لا يتقوقع الانسان ويترك كل شيء، ويجلس في البيت مكتوف اليد، فلا الاتكال على النفس مطلقاً مطلوب ولا الاتكال على الغيب دون عمل وسعي، بل نحن نتوكل على الله بما يريده لا بما نريده، فان الله تعالى طلب منا التوكل عليه، وفي المقابل طلب منا ان نعمل ونكد ونسعى، وخذ مثلاً الجنة لا يدخلها من جلس ونام وأكل، بل من عمل وسعى وجاهد هواه، فالخوف من المستقبل والتركيز على مجهوليته ليست صحيحة مطلقاً، هذا لا يعني أن نقطع التفكير كلياً، بل الامر بين أمرين، واما ان يصل بنا الامر الى مرض نفسي خطير يسلب لذة العيش ويكرهنا في كل حياتنا، فهذا أمر غير مقبول وسيولد لدينا مشاكل كثيرة، اخطرها اننا سوف نترك المستقبل كله وسيتهدم كل مشروع قد خططنا له مسبقاً، لذا فاللجوء الى الله تعالى في هذه المواطن هو من يرفع الحيرة والشك ولا سبيل أنجع من ذلك.

كلمات تعالج المصاب بالوسوسة

• يتقوى المصاب بالوسوسة بالذكر والدعاء والمناجاة والصلاة، فهذه مواد وعقاقير روحية تقضي على الوسوسة وبما ان الوسوسة من الشيطان فإن المواد هذه كالماء تطفي نار الوسوسة وتخمدها.

• أن يقطع المصاب بالوسوسة تفكيره المعتاد، فكلما قلل تفكيره ازداد بذلك استقراراً، ومن المجاز أن نطلق عليه تفكير وإلا كل ما يدور في ذهنه عبارة عن وسوسة ليس لها واقع بل وهم في وهم.

• مراجعة اهل الاختصاص من النفسيين وأخذ العقاقير المهدئة وغيرها، ولا يمكن اهمال الحلول الدينية، فإنها بلا شك تصل بنا نحو شاطئ الامان.

• أن يغير المصاب الاجواء التي تحيط به لمدة وإن كانت يسيرة، فيذهب لزيارة صديق او مَعلَمٍ تاريخي او التنزه في احدى الحدائق الجميلة، ويحاول ان ينسى كل تلك الافكار التي عذبته اياماً وليالي.

• الثقة بالنفس وغلبة الوسوسة وكأنك في حرب مع الشيطان الرجيم وجهاً لوجه، ولا تفكر في الخسارة والهروب لان الله معك، فكل انسان يطلب التغيير بقلب صادق يشعر بأن الله معه.

• انظر لشخص أصابه الوسواس، وتأمل في حركاته وسكناته، واسمع ما يقوله الناس عنه، وكن كأحدهم واحكم بنفسك عليه دون ان تتأثر بأحد، أعد هذه القضية على نفسك ماذا سترى؟ هل يبقى لك الوهم في داخلك؟ الا تخشى اعتقاد الناس فيك؟

• إرادتك تصنع لك المعجزة - كما يحلو لك تسميتها- فتتخلص دون عناء اذا كنت مريداً من أي مشكلة، ومن ينام على تلال الراحة فلا ينتظر التغير ولا التقدم.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: سلسلة الشخصية الناجحة(اختر شخصيتك)- تأليف: حسن علي الجوادي/ من إصدارات قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة- شعبة الدراسات والنشرات ص114-121



































تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا