سؤال من طالب / 3
2026/01/11
64

السؤال: إنّني طالب في أحد الصفوف الإعدادية، أتطلع إلى استحصال معدل جيد، وأنا ذو مستوى جيد لو اجتهدت في الدراسة، إلا أنّني أحبُّ الخروج من البيت وقضاء الوقت مع الأصدقاء في المقاهي، فما هو سبب هذه الحالة؟ وما علاجها؟

 

الجواب: السبب في السلوك الموصوف يعود إلى تمسك النفس بالأنس الحاضر، الذي اعتادت عليه تدريجًا بالنظر إلى ما يوفره له من الشعور في حينه بالراحة والسعادة بدلًا عن العناء الذي يقتضيه الجهد الدراسي، رغم إقرار الشخص بأنّ بذل الجهد الذي تستوجبه الدراسة هو الخيار الأصلح بالنظر إلى المستقبل، إلا أنّه تم تغييب النظر إلى المستقبل في المعادلة والموازنة بين الاهتمامات التي قدّرها المرء لحياته. والعلاج لمثل هذه الحالة يكون بخطوات، منها:

 

- عناصر معينة على التغيير:

إنّ الوعي بالمستقبل يمكن أن يفي في العديد من الحالات بانبثاق الإرادة الكافية للتغيير، لكن يحتاج الإنسان في العديد من الحالات إلى تخفيف الضغوط النفسية الناشئة عن ترك السيرة المعتادة له من خلال الاستعانة بعدّة عناصر، منها:

 

أولًا: توفير الأنس البديل عن الوجوه المعتادة بنشاطات ينفس عن نفسه من خلالها لا تضر بمسيرته العلمية؛ مثل الرياضات البدنية والاطلاع على القصص النافعة والمسلية ومشاهدة روائع الخلق ونحو ذلك، وذلك ليسهل له ذلك ترك تلك الوجوه المعتادة، فإنّ الأنس يحلّ محلّ الأنس ولكن الأنس الجديد لا تتمسك به النفس تمسكها بالقديم الذي اعتادت عليه وتجذر فيها.

 

ثانيًا: أن يجعل مكافأة دوريةً لنفسه على تغيير المسيرة بتوفير رغبات لها لم يكن يوفرها؛ من سفرة ممتعة، أو وجبة لذيذة، أو نحو ذلك، فلهذه المكافأة دور في تخفيف ضغوط النفس في التراجع عن القرار لصالح العادة السابقة حتى يخفّ زخمها.

 

ثالثًا: معايشة بيئة مختلفة ترفع من طموحه وتشد من عزيمته، والمعايشة على ضربين: اجتماعية، وذهنية، فالمعايشة الاجتماعية؛ مثل مزيد الارتباط بأصدقائه الجادين الذين يقعون في موضع متقدم، والاهتمام فيما بينهم على المتابعة والتواصل.

 

والمعايشة الذهنية؛ مثل الاطلاع على أحوال وسيرة كبار العلماء والأطباء وما عانوه في مسيرتهم العلمية؛ من قبيل التغرب عن البلاد والأهل لسنين عديدة، ومعايشة ظروف اجتماعية وأسرية، وليلاحظ إنجازاتهم العلمية والطبية.

 

رابعًا: المشاركة في القرار، والمراد بها أن يشارك في قراره هذا شخصًا آخر إذا وجد حاجة إلى ذلك، وذلك بأحد نحوين:

أ- أن يشارك في قراره زميلًا مقربًا منه وهو يعيش مثل حالته، على أن يخوضا غمار التغيير معًا، ويتواصلا فيما بينهما بالخطوات النافعة والمفيدة.

ب- أن يجعل قراره في إطار تعهد لشخص آخر معني به من أب أو أخ أكبر أو صديق حميم، فيتعهد له ليساعده على تغيير مسيرته ويشرف عليه ويكون هو مسؤولًا أمامه.

 

- الاستعانة بالله تعالى:

وقبل كلّ ذلك ومعه وبعده فإنّ للإنسان المؤمن أن يستعين بإيمانه بالله تعالى في إنجاز ما يصبو إليه من خير وصلاح، فهو سبحانه الذي أنعم عليه بالاستعداد المميز الذي يمكن أن يستثمره على وجه أمثل، والظروف الأسرية والإمكانات المالية التي يجدها، وليبدأ بشكر هذه النعم في نفسه كثيرًا ودائمًا، ويقارن نفسه بآخرين يفقدونها، ومع ذلك فإنّ فيهم من يكافح لبلوغ مراتب طموحة وعالية، فإنّ شكر النعمة ينميها.

 

وليسأله سبحانه أن يتولى أمره هذا وكلّ أموره في دينه ودنياه وآخرته، فهو أقدر منه على صلاحه، يملك من الأسباب ما لا يملكه غيره، ويعلم بمداخل الأمور والغايات ولا يعلم بها أحد سواه، والأمور كلّها طوع إرادته من حيث نعلم ونحتسب ومن حيث لا نعلم ولا نحتسب.

 

وله أن ينذر إن وفّقه الله سبحانه في تغيير مسيرته والتوفيق نحو ما يصبو إليه فسيكون وفيًا لله سبحانه؛ بالتعهد بالفرائض وتجنب المآثم بشكل عام وخصوص ما يكون مظنة للوقوع فيه في مهنته، وإعانة الفقراء والضعفاء والإرفاق بهم بشكل خاص.

 

وقد تضمنت النصوص الدينية عامة الحِكَم المتقدمة في مقام الإرشاد إلى تهذيب النفس وتزكيتها على وجه ملفت ولكن بتعابير مختلفة أحيانًا؛ مثل الوصية بالمحاسبة والمراقبة وحديث النفس لوحدها أو مع الله سبحانه وذكر الملاحظات عليها وغير ذلك.

 

هذا، وكان النظر في هذا الجواب إلى الحالة المعروضة في السؤال والحديث عنها كنموذج للحالات المماثلة والمشابهة، ولذلك يصلح للانتفاع منه في عموم الحالات التي تتفق من هذا القبيل، والله سبحانه هو ولي التوفيق.

 

  • السيد محمد باقر السيستاني
__________________________________________
نشرة الخميس/نشرة أُسبوعيةٌ ثقافيةٌ (مجانية)، تتناولُ المعارفَ القُرآنيةَ، والعقائديةَ، والفِقهيةَ، والتاريخيةَ، والأخلاقيةَ، والتربويةَ، والاجتماعيةَ، والصحيةَ بأُسلوبٍ مبسّطٍ ومختصرٍ، تصدر عن العتبة العباسية المقدسة/ العدد 1070.
تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا