التبرّك بتربة الحسين (عليه السلام) عقيدةٌ وإرثٌ روحيٌّ
2026/02/16
34

يحظى الإمام الحسين (عليه السلام) بمكانةٍ فريدةٍ في الوجدان الإسلاميّ، وعلاقته بالمؤمنين تتجاوز كونها حدثًا تاريخيًّا لتصبح تجربةً روحيّةً حيّة.

 

ومن أبرز مظاهر هذا الارتباط: (التبرّك بتربة قبره الشريف)، وهو سلوكٌ أثار كثيرًا من التساؤلات، إلّا أنّ العلماء عدُّوه عقيدةً راسخةً نابعةً من النصّ والدليل، لا مجرّد ممارسةٍ عاطفيّة.

 

والقرآن الكريم يؤكّد مفهوم البركة في الآثار المرتبطة بأولياء الله عزّ وجلّ، إذ قال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: ١٢٥)، فجعل لموضع قدم نبيٍّ أثرًا تعبّديًّا مباركًا.

 

وقال سبحانه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ﴾ (آل عمران: ٩٧)، ما يدلّ على أنّ للأماكن المقدّسة خصوصيّةً إلهيّة.

 

كما يوضّح قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَـهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ٦٤)، مشروعيّةَ التوجّه إلى مواضع القرب الإلهيّ وطلب البركة.

 

وفي ضوء هذا الفهم، جاءت الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) لتُبرز فضل تربة الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «إنّ اللهَ جعل تربةَ الحسين شفاءً من كلّ داء، وأمانًا من كلّ خوف» (وسائل الشيعة: ج١٤/ص٥٢٢)، كما جاء عنه (عليه السلام): «السجود على تربة أبي عبد الله (عليه السلام) يخرق الحُجُبَ السبع» (مصباح المتهجّد: ج٢/ص٧٣٣)، دلالةً على الأثر الروحيّ العميق لهذه التربة المباركة.

 

وقد أكّد العلماء قديمًا وحديثًا أنّ التبرّك ليس عبادةً للتراب، بل هو تعظيمٌ لما عظّمه الله تعالى؛ فالتربة لا تُطلب لذاتها، بل لكونها مرتبطةً بأقدس دمٍ سُفك دفاعًا عن الدين. ومن هنا، يصبح التبرّك إعلانَ ولاءٍ، وتجديدَ عهدٍ مع قيم كربلاء من عدلٍ وتضحيةٍ وإيثار.

 

إنّ التبرّك بتربة قبر سيّد الشهداء (عليه السلام) ليس مجرّد عادة، بل عقيدةٌ روحيّةٌ متجذّرة، تجمع بين النصّ القرآنيّ، وسنّة أهل البيت (عليهم السلام)، وفهم العلماء؛ ليصبح سلوكًا واعيًا يعبّر عن عمق الارتباط بالإمام الشهيد (عليه السلام)، ويحوّل الذكرى إلى حضورٍ دائم، والإيمان إلى ممارسةٍ حيّة في وجدان المؤمن.

 

  • الشيخ مصطفى رافد السعيدي
__________________________________________
نشرة الكفيل/نشرة أُسبوعيةٌ ثقافيةٌ (مجانية)، تتناولُ المعارفَ القُرآنيةَ، والعقائديةَ، والفِقهيةَ، والتاريخيةَ، والأخلاقيةَ، والتربويةَ، والاجتماعيةَ، والصحيةَ بأُسلوبٍ مبسّطٍ ومختصرٍ، تصدر عن العتبة العباسية المقدسة/ العدد 1060.
تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا