2026/04/01
113
هناك ملاحظات وجدانية راشدة بشأن الاختلاط والتواصل بين الجنسين، وقد لاحظ الإنسان الراشد والحكيم من خلال تجارب واضحة وبديهية في الحياة أمورًا -مؤكدة للغاية- ينبغي أخذها بنظر الاعتبار في نظام التواصل والاختلاط بين الجنسين:
1- أنَّ مشاعر الانجذاب بين الزوجين لهي من أقوى المشاعر الإنسانية الغريزية، وليس من شك في أن زرع هذه المشاعر بهذه القوة إنَّما كان لحكمة منظورة بذلك، وليست تلك الحكمة هي أن يجعل من الإنسان كائنًا غريزيًا تطغى الغريزة العارية والمستفحلة على حياته، بدليل أنَّ هذا الطغيان يؤدي إلى مفاسد يُدركها العقل الذي مُتع به الإنسان والنزوع إلى الحكمة التي زُوِّد بها، بل الحكمة في قوة هذه المشاعر هي أن تساعد الجنسين على تحمل أحدهما للآخر في ظل ما تتعرض له الحياة المشتركة من عوارض تنشأ من اختلاف الطباع والأذواق والتربية، وليتحملا ما يترتب على هذه الحياة من وظائف ومسؤوليات وأولاد يحتاجون إلى رعاية وتربية، فتكون قوة هذه المشاعر مانعًا من انفلات عقد الارتباط وتأمينًا على استمرار العلاقة الزوجية وضمانًا لتحمل المشاق والصبر عليها وداعمًا لصوت العقل والحكمة في الإبقاء عليها.
إلا أن هذه الغاية الحكيمة إنَّما تترتب على قوة هذه المشاعر إذا حصرت قوة هذه المشاعر في طريق مستقيم ينتهي إلى الزواج وتكوين الأسرة والاهتمام بها والعناية بحياطتها وصيانتها والحفاظ عليها، فتكون هذه القوة تأمينًا لهذه المسيرة ومذللًا لعقباتها وصعوباتها ومسهلًا للصبر عليها، وفي غير هذه الحالة إذ تنفلت هذه المشاعر فإنَّ قوتها تولد عناءً وشقاءً وضياعًا وتشتتًا وانحرافًا للإنسان وسببًا لإيذاء الآخرين واستغلالهم على وجه خاطئ وذميم.
2- أنَّ هذه المشاعر الغريزية كثيرًا ما لا تكشف نفسها للإنسان عند دفعها إياه إلى غاياتها، وهي الوصول إلى الآخر لإشباع الغريزة الخاصة، وذلك تجنبًا عن معارضة صفة الحياء والرغبة في التعالي والحذر من ردِّ الفعل الاجتماعي من الاستجابة لها، بل تسلك طرقًا غير مباشرة وملتوية قد لا تظهر حتى للإنسان نفسه في حينه، ولذلك يتلقاها المرء تلقيًّا ساذجًا وبحسن نية، وربما يضفي عليها عناوين مثل الحب الذاتي للترتيب والجمال والتأنق، والاتصاف بالذوق والطبع اللطيف والرغبة في الإحسان إلى الآخر ونحو ذلك من المعاني الإنسانية الجميلة، ولكنها تنبعث -وفق السنن النفسية البديهية- عن توجهات غريزية كامنة في العقل الباطن غايتها الحقيقية الانتهاء إلى إرضاء الغريزة من خلال المعاشرة، فهي في حقيقتها أشبه بالفخ الذي يوقع بالغافل فيه، لكي ينزلق صاحبها في مزيد من الاقتراب لتحقيق غايتها -وهي العلاقة غير الشرعية- على حين غفلة من الإنسان من غير تخطيط واعٍ لهذه الغاية ولا التزام بلوازمها ونتائجها وآثارها.
3- أنَّ الاستجابة لهذه المشاعر قد تبدو خطوات بسيطة ذات آثار محدودة، ولكن نظرة عميقة وشاملة إلى الحياة الاجتماعية وحوادثها تنبّه إلى أنَّ تلك الخطوات البسيطة في بدايتها هي السبب في حوادث وظواهر كارثية من قبيل تفكك الأسرة وتشرد أفرادها وضياع الأطفال وسقط الأجنة، بل ترك الأطفال حديثي الولادة أحيانًا في الطرق والممرات.
وتشتمل الحياة الاجتماعية بشكل واضح ومشهود على عِبر وأمثال تبيِّن للإنسان كيف أن عدم الحذر من الاقتراب والتواصل تؤدي إلى نتائج كارثية على الشخص وعلى أعزته كالأولاد لم يكن يفكر فيها بتاتًا، وأنه وقع فيها على حين غفلة وانزلق إليها من حيث لا يُقدّر ذلك، ولكلٍّ منَّا فيما شاهدناه وسمعناه أمثلة عديدة لهذه الحالة، كما أنَّ المحاكم القضائية تستقبل في كلِّ يوم العديد من القضايا التي نشأت عن أسباب هي في أوائلها خطوات من هذا القبيل.
لقد وجد الإنسان بفطرته وفي ضمن تجربته في الحياة أنَّ من الضروري للإنسان -من أيِّ من الجنسين- أن يكون بجنب المتعة التي يجدها في الاقتراب والتواصل مع الجنس الآخر حَذِرًا في ذلك حَذَرًا يلائم خطورة المزالق المشهودة في هذا الطريق، وذلك من خلال تقنين الاختلاط والتواصل، وذلك بتأصيل أعراف في شأنِ الرجل والمرأة تحدد هذا الاقتراب والتواصل بغطاء من الالتزام بالحدود، والوقار والمتانة، وهو يتأكد بطبيعة الحال في ظل توفر وسائل التواصل التي تتيح ذلك بشكل أسهل.
2026-04-13
2026-04-06
2026-04-02