الأسرة المؤمنة في زمن الفتن
2026/03/24
70

إنَّ الأسرة المحافظة على ثوابتها، والمتمسِّكة بهويَّتها الدينيَّة التي رسمها الإسلام، هي نواةٍ اجتماعيَّة، وهي حصنُ القيم، وعمادُ الاستقامة، وأوَّلُ خطَّ دفاعٍ عن الفطرة السليمة.

 

ولهذا كانت هدفًا مباشرًا للمتمرِّدين على الفطرة، أولئك الذين نراهم اليوم يتصدَّرون مشاهد التأثير ومراكز القرار، ويسعون إلى إعادة تشكيل الإنسان على مقاييس أهوائهم، لا على موازين الحقِّ والعدل.

 

وبمجرَّد أن تكون الأسرة أسرة تعيش وفق نمط الدين، وتربِّي أبناءها على الصلاة والعفّة والصدق والأمانة، فاعلم أنَّها قد دخلت ميدان الاستهداف.

 

وليس سلاح المفسدين القوَّة العسكريَّة كما هو المعهود، بل الأخطر منه سلاح الانحلال الأخلاقيِّ، وتفكيك الروابط الأسريَّة، وضرب الحياء، وإضعاف القدوات القيميَّة، حتى تتحوَّل البيوت إلى فراغٍ روحيٍّ، والنفوس إلى أرضٍ خصبةٍ للتيه والاضطراب.

 

إنَّ عزَّتنا الحقيقيَّة لم تكن يومًا في مسايرة موجات الفساد والعولمة المفسدة، ولا في تقليد أنماط الحياة الأخرى المنفلتة عن الموازين الشرعيَّة، بل في أن نعيش وفق ما يريده ديننا العظيم، ولو كره أهل الباطل وكثرت أصواتهم.

 

فالكثرة ليست معيار الحقِّ يومًا، وقد نبَّه القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حين قال: ﴿وَأكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ (المؤمنون: ٧٠)، فالمؤمن الواعي لا ينخدع بالبريق الإعلامي، ولا يسلِّم عقله للموجات العابرة، بل يجعل ميزانه الوحي والعقل والضمير الحيَّ.

 

ولو أنَّ الأسر المحافظة اتَّبعت أهواء هؤلاء، وسارت خلف شعاراتهم المزيَّنة، لفسد كلُّ شيء؛ لأنَّهم لا يتحرَّكون بمنطق الهداية، بل بمنطق الرغبة والشهوة والمنفعة الآنيَّة، إذ قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: ٧١)، فحينما ترى استبدال الحقِّ بالهوى بطرق خبيثة برَّاقة المظهر فاعلم أنَّه حلَّ الخطر، إذ تتحوَّل المجتمعات إلى ساحات صراعٍ داخليٍّ، ويضيع الإنسان بين شهواته ومخاوفه.

 

ولنعلم أنَّ نجاتنا بديننا وبتعاليم الثقلين: (كتاب الله تعالى والعترة الطاهرة)، فهما البوصلة التي تحفظ الاتجاه وتمنع الانحراف، ونياتنا الصادقة لا تكتمل إلَّا بفهمٍ واعٍ لما يريده الدين، وبترجمة هذا الفهم إلى سلوكٍ عمليٍّ داخل البيت، في التربية، في العلاقات، في أسلوب الحياة اليوميٍّ.

 

فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، وإذا استقامت البيوت استقام الطريق، وبقي نور الهويَّة مشتعلًا، مهما اشتدَّت رياح الفتن.

 

  • السيد رياض الفاضلي
__________________________________________
نشرة الخميس/نشرة أُسبوعيةٌ ثقافيةٌ (مجانية)، تتناولُ المعارفَ القُرآنيةَ، والعقائديةَ، والفِقهيةَ، والتاريخيةَ، والأخلاقيةَ، والتربويةَ، والاجتماعيةَ، والصحيةَ بأُسلوبٍ مبسّطٍ ومختصرٍ، تصدر عن العتبة العباسية المقدسة/ العدد 1080.
تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا