تكوين الأسرة وإنجاحها
2026/02/24
43

إنّ ترتيب الأسرة موضوع مهم للغاية؛ لأنّ الأسرة وحدة اجتماعية تفي بحاجات ثلاث أساسية للإنسان مشتركة بين الرجل والمرأة ومترابطة فيما بينها:

 

1- الحاجة الغريزية الخاصة، وهي حاجة لا بد من الإيفاء بها في ضمن الزواج، ولا يصح إرواؤها بالارتباطات الحرة مع الآخرين كما سبق ذلك.

 

٢- الحاجة العاطفية، وهي أيضًا حاجة إنسانية ملحة إنّما تتوفر من خلال تكوين الأسرة، وذلك أنّ الإنسان كائن اجتماعي يصعب عليه أن يعيش وحده ويعاني من الغربة، ولا تغني الصداقة خارج البيت عن إنسان آخر يقترن الإنسان به ويعيش معه في طول يومه وعند استقراره ونومه وراحته. وبهذا المنظور توفر الأسرة لكلٍّ من الرجل والمرأة فضلًا عن الجانب الغريزي جانبًا عاطفيًا واجتماعيًا مهمًا جدًا، وهو ضربٌ من الصداقة الحميمة المؤكدة تختلف في خصوصياتها عن الصداقات الخارجية.

 

والرجل والمرأة بهذا التنوع يتكاملان تكاملًا رائعًا لبعضهما إلى بعض بوجود امتياز لكلٍّ منهما يخلو عنه الآخر، ولو عاشت امرأتان أو عاش رجلان معًا لم يتحقق هذا اللطف والتكامل بوضوح، وكأنّ السبب في ذلك أنّ المرأة أكثر دفئًا وعاطفة، والرجل أقلُّ عاطفة وأحوج إليها، فتلبي المرأة بفيض عاطفتها حاجة الرجل وهو ما لا يتحقق بين رجلين أو امرأتين.

 

3- الحاجة إلى امتداد الإنسان من خلال أولاد يكوّنهم ويربّيهم، فيجد فيهم امتدادًا لذاته وبقاء له بعد وفاته، وتلك حاجة إنسانية فطرية، والأسرة هي المصنع المناسب لإيجاد الإنسان وتربيته.

 

والتأصيل العقلائي العام: أن يكون هدف كلّ إنسان من فتى وفتاة عند بلوغ السن المناسب في أن يكوّن أسرة ملائمة وناجحة يعيش فيها سكينة ومودة ورحمة وتسعى إلى امتدادها من خلال جيل صالح يهتم بنشأته وتربيته.

 

ومن المهم جدًا للإنسان السعي إلى إنجاح هذا المشروع لأمور ثلاثة -تلبي الحاجات الثلاث المتقدمة-:

 

الأول: أنّ إنجاح هذه العلاقة يؤدي إلى ضبط غريزة الطرفين وضمان عفافهما خارج الأسرة وداخلها أمام الأولاد، بينما فشل العلاقة والتوتر فيها يؤدي إلى تبلور هذه الغريزة بأشكال غير ملائمة ولا مشروعة خارج العلقة الزوجية، وذلك مضرّة للطرفين؛ لأنّها تكدّر شعور الطرفين بالاندماج والتكامل.

 

الثاني: أنّ إنجاح العلاقة الأسرية يحول دون الشعور بالوحدة والغربة ويحقق الأنس والسعادة والتكامل في الإيفاء بالحاجات النفسية والخارجية والاجتماعية والاقتصادية، وفي حال عدم وجود الأسرة تحتل حياتهما في أكثر من حاجة من الحوائج المذكورة، كما أنّه في حال وجود انفصال عاطفي في الأسرة يؤدي ذلك إلى تعكر الإيفاء بالحوائج المذكورة، بل قد يؤدي إلى الشعور بالتعاسة والشقاء ويتسبب إلى أمراض نفسية وعضوية تنعكس بطبيعة الحال على الطرف الآخر.

 

الثالث: أن إنجاح العلاقة الأسرية يؤدي إلى تربية الأولاد فيها على وجه سليم، مما تنعكس على نفسية الأطفال وصلاح أحوالهم، وهذا حق من حقوقهم على الوالدين، فإنّهم نشأوا في هذه الأسرة، فعلى الوالدين السعي إلى توفير الحضانة لهم بما يضمن سلامتهم النفسية على الوجه الملائم.

 

إذن نجاح الأسرة أمر مهم للغاية، فهي بنية الحياة الاجتماعية. واستبدال طرف العلاقة ليس بالأمر اليسير عمومًا؛ لأنّ تحصيل محلٍّ ثانٍ مناسب للعلاقة ليس سهلًا، على أنّ تشاؤم الناس من الفشل قد يؤدي إلى تقوية روح الإعراض عن البحث عن تجربة جديدة، على أنّ تألم الإنسان من انقطاع علاقة تجذرت في نفسه يشبه في كثير من الأحوال تألمه عند بتر جزء من أجزاء بدنه، مع أنّ تبديل طرف العلاقة يؤدي إلى تشويش كبير في حياة الأولاد قبل أن يستقلوا بحياتهم الخاصة، بل بعدها أيضًا.

 

إنّنا نعيش كثيرًا من الإيجابيات في حياتنا من جهة مراعاة مَن سبقنا لهذه المبادئ الفطرية بالنحو الملائم الذي كان متاحًا لهم، فلعفاف أمهاتنا ومسايرتهنّ للحياة في ظروفها الصعبة وسعيهنّ في إنجاح الحياة الأسرية أبلغ الأثر في حياتنا وسلامتنا التي يعيشها كثير منا هي نتاج تكوين الأسرة الناجحة، إلا أنّ بعضنا قد لا يشعر بمزايا هذا النظام المنتج لهذه الإيجابيات التي نعيشها بشكل طبيعي ويبحث عن تحديات لهذا النظام.

 

  • (رسالة المرأة في الحياة: السيد محمد باقر السيستاني: ص40-43)
__________________________________________
نشرة الخميس/نشرة أُسبوعيةٌ ثقافيةٌ (مجانية)، تتناولُ المعارفَ القُرآنيةَ، والعقائديةَ، والفِقهيةَ، والتاريخيةَ، والأخلاقيةَ، والتربويةَ، والاجتماعيةَ، والصحيةَ بأُسلوبٍ مبسّطٍ ومختصرٍ، تصدر عن العتبة العباسية المقدسة/ العدد 1076.
تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا