مزرعة الآخرة وموطن العمارة
2026/01/12
21

تُعدّ العلاقة بين الحياة الدنيا والدار الآخرة إحدى أعظم الإشكاليات في الوعي البشري، حيث انقسم الناس إلى طرفين متطرفين يجانبان المنهج الإسلامي المعتدل:

 

الأول: خطر الرهبنة المذمومة:

هناك فريق اختار الانعزال التام والتزهّد المبالغ فيه، كارهًا الحياة ومنزويًا عن الناس، فيما يُعرف بـ(الرهبنة)، وقد ذم القرآن الكريم هذا المسلك لأن الناس ابتدعوه من تلقاء أنفسهم دون أمر إلهي، ولم يلتزموا به حقّ الالتزام: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (الحديد: 27)، فإنّ الدين يدعو إلى التوازن، لا إلى هجر الدنيا.

 

الثاني: خطر الغفلة عن المصير:

في المقابل، هناك مَن تعلقوا بالدنيا تعلقًا كليًّا، وجعلوها غايتهم القصوى، فغفلوا عن الآخرة التي هي المصير الأبدي، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (الروم: 7)، فهؤلاء في خسران؛ لأنّهم أضاعوا الدار الباقية مقابل الزائل.

 

المنهج الإسلامي المعتدل:

إنّ الإسلامَ جعل الدنيا وسيلةً للآخرة، فهي (مزرعة الآخرة). والميزان هو أن نسخِّر كلّ ما آتانا الله لطلب الدار الأبدي، دون إهمال لمتطلبات الحياة المعيشية، عملًا بقوله سبحانه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص: 77).

 

المطلوب هو الجمع بين العمل والإتقان، كما جاء في وصية نبوية شريفة: «اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غدًا» (البحار: 44/139)، وهذا هو تحقيق الحظين، والنجاة في الدارين.

 

  • د. محمد كاظم الفتلاوي

 

__________________________________________
نشرة الكفيل/نشرة أُسبوعيةٌ ثقافيةٌ (مجانية)، تتناولُ المعارفَ القُرآنيةَ، والعقائديةَ، والفِقهيةَ، والتاريخيةَ، والأخلاقيةَ، والتربويةَ، والاجتماعيةَ، والصحيةَ بأُسلوبٍ مبسّطٍ ومختصرٍ، تصدر عن العتبة العباسية المقدسة/ العدد 1055.
تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا