من أقفال القلوب
2020/08/28
139

إن بعض الناس لا يستمتع بماله، وقد يصرف ماله في أمر طيب، ومع ذلك فإن رب العالمين لا يبارك له فيه.. ومن أسباب ذلك، ما ذكره القرآن الكريم في سورة "الروم": ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ..﴾.. فالربا إذا دخل حياة الإنسان له آثار وخيمة.

 منها: عدم النمو.. ﴿فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ أي لا ينمو!.. إن بعض الناس له مال وفير، ولكنه يعاني من العقد والهموم والمشاكل ، فليس له علاقة طيبة: لا مع زوجة، ولا مع ولد، ولا مع رحم، حتى الجار يشتكي منه؛ أي أن حياته كلها نكد.. والقرآن صرح بهذا المعنى عندما قال في سورة "طه": ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.

ثانياً: الختم على القلب.. إن بعض الناس يذهب إلى المساجد ، وأيام محرم ينتقل من مجلس عزاء إلى مجلس عزاء ؛ ولكن في مقام العمل لا يتغير ؛ أي هذا إنسان مختوم على قلبه !.. ومن أسباب انغلاق القلب: أكل الحرام ومنه الربا، وهذا ما يؤكده كلام سيد الشهداء (عليه السلام) في يوم عاشوراء عندما (أحاطوا بالحسين من كل جانب ، حتى جعلوه في مثل الحلقة ، فخرج (عليه السلام) حتى أتى الناس فاستنصتهم ، فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم : ويلكم! ما عليكم أن تنصتوا إليّ فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى  سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشَدين، ومن عصاني كان من المهلَكين، وكلكم عاص لأمري، غير مستمع قولي، فقد مُلئت بطونكم من الحرام، وطُبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟!.. ألا تسمعون..)؟!.. أي أن هذا الحرام جعلكم تقاتلون ابن ابنة رسول الله (ص وآله).

 وهناك روايات بخصوص موضوعة الربا روي عن النبي (ص وآله) أنه قال: (ليأتين على الناس زمان ، لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا.. فإن لم يأكله؛ أصابه من غباره).

 (ليأتين على الناس زمان ، لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا).. إن الربا -هذه الأيام- يأتي من الأموال المودعة في البنوك، ومن القروض الربوية، وقد يجهل الانسان أن الربا من أسباب الختم على القلب. 

لو القينا نظرة على الروايات لوجدنا انها تنهى بشدة عن الربا، وعن التعامل به، فهي لا تلعن المرابي فقط، بل الشاهد أيضاً، فقد روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: «لعن رسول الله (ص وآله) آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه»؛ أي حتى هذا الموظف الفقير المسكين الذي يكتب المعاملة هذا أيضا تشمله لعنة الله عز وجل.

إن بعض الناس مريض بالوسوسة ، وهؤلاء قسم منهم وسواسه من باب المرض، وقسم وسواسه من الجهل بالأحكام، فلو عرف الأحكام الشرعية وأصالة الطهارة؛ لما عانى من هذا المرض.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى التجارة: فبعض الناس يدخل في عالم التجارة وهمه الكسب والربح، لا بأس في ذلك؛ ولكن عليه أولاً أن يتعلم أحكام التجارة، ولا يكلفه ذلك إلا أسبوعاً واحداً، فسبع دروس كافية لفهم أحكام الربا، ولو دفع الإنسان مالاً لشخص كي يعلمه أحكام التجارة والبيع، لأنقذه من نار جهنم!.. فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (معاشر الناس!.. الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر!.. والله للربا في هذه الأمة؛ أخفى من دبيب النمل على الصفا)؛ أي أنه شيء جدًا خفي يدّب في حياة الإنسان.. لذا، فإنه ينبغي لكل من يريد أن يعمل بالتجارة، أن يتفقه في دينه أولاً، كي لا يرتطم بالربا، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): (من اتّجر بغير فقه، ارتطم في الربا).

 وهنا نتساءل: لماذا التشديد في تحريم الربا؟

 وفي صدد الجواب نقول: هناك عدة اسباب لتحريم الربا منها: 

زوال المعروف شتان ما بين القرض الحسن والقرض الربوي! .. في القرض الربوي: لو تأخر الإنسان في الدفع، يأتيه إنذار، وبعد الإنذار يتضاعف الربح، وإن تأخر يدفع غرامة.. ويبدو هذه الأيام بعض القروض الكبيرة تقريباً يدفع ضعفها، أي يأخذ عشرة آلاف دينار -مثلاً- قرضاً ربوياً، وبعد فترة يردها عشرين ألفاً؛ فأين الربا من القرض الحسن؟.. ورد في الرواية عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: (إنما حرم الله عز وجل الربا؛ لئلا يذهب المعروف)، ومن المعروف القرض الحسن.. أما هذه الأيام فاموازين مقلوبة فإن الربا هو الطبيعي؛ والقرض الحسن فهو الشاذ!

  ومن هذه الاسباب: تعطيل النشاط الاقتصادي في المجتمع.. فقد روى هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد الله الصادق (علیه السلام) عن علة تحريم الربا فقال: (لو كان الربا حلالاً؛ لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه.. فحرم الله الربا؛ لتفر الناس من الحرام إلى الحلال، وإلى التجارات من البيع والشراء..).. فإذن، إن الربا من موجبات الركود الاقتصادي، فالإنسان الذي عنده ثروة ضخمة، ومن خلال اتصال هاتفي يقرض هذا ويقرض ذاك قرضاً ربوياً، ويأخذ منهم الربا؛ هذا الإنسان لا يشجع السوق والعمل الاقتصادي.

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: برنامج منار السبيل- الحلقة الثانية عشرة- الدورة البرامجية57.

 




تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا