2024/03/16
374 الضيافة في الدين خُلُق من أخلاق الله سبحانه الذي استضاف مخلوقاته في عالم الوجود بالمعنى الواسع للكلمة، وهو يستضيف عباده كلّ يوم في مملكته، ويدعوهم إلى طيب أرزاقه، ويطعمهم على موائده الكريمة، كما يستضيفهم في الطاعات والعبادات آناء الليل والنهار، في كلّ ساعة وكلّ يوم، على مدى الأسابيع والأشهر، ومواسم السنوات.. فمن أحب الله تعالى لبّى دعوته وضيافته، وتعلّم منه كيف يحب الضيافة أولاً، وكيف يراعي آدابها ثانياً.. سواء كان هو ضيفاً أم مضيفاً.
ضيافة الله في الصوم:
وقد استضافنا سبحانه ويستضيفنا
ضيافة خاصّة في شهره المبارك العظيم، شهر رمضان الذي خطب في شأنّه
رسولُ الله محمد (صلى الله عليه وآله) في آخر جمعة من شهر شعبان،
فقال:
«أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم
شهرُ الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهرٌ هو عند الله أفضلُ
الشهور، وأيامُه أفضلُ الأيام، ولياليه أفضلُ الليالي، وساعاتُه
أفضلُ الساعات، هو شهرٌ دُعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجُعلتم فيه من
أهل كرامة الله، أنفاسُكم فيه تسبيحٌ، ونومُكم فيه عبادةٌ، وعملُكم
فيه مقبولٌ، ودعاؤكم فيه مستجابٌ».
ثم بيّن النبيُّ الأكرمُ (صلى الله
عليه وآله) ما ينبغي أن يُراعى في هذه الضيافة الشريفة،
فقال:
«فاسألوا اللهَ ربَّكم بنياتٍ
صادقةٍ، وقلوبٍ طاهرةٍ، أن يوفّقكم لصيامِه، وتلاوةِ كتابِه، فإنَّ
الشقيَّ مَن حُرم من غفران الله في هذا الشهر العظيم. واذكروا
بجوعكم وعطشكم فيه جوعَ يومِ القيامة وعطَشِه، وتصدّقوا على فقرائكم
ومساكينكم، ووقّروا كبارَكم، وارحموا صغارَكم، وصِلُوا أرحامَكم،
واحفظَوا ألسنتَكم، وغُضّوا عما لا يحلّ النظرُ إليه أبصارَكم،
وعمّا لا يحلّ الاستماعُ إليه أسماعَكم، وتحنّنوا على أيتام الناس
يُتحَنَنُ على أيتامِكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه
أيديَكم بالدعاء في أوقات صلواتكم، فإنها أفضلُ الساعات، ينظرُ
اللهُ عزّ وجلّ فيها بالرحمة إلى عباده...».
إذن، فكم يجدر أن تُستجاب دعوةُ هذه
الضيافة المقدّسة، ويستفاد من مناسبتها وفرصتها، وتراعى حرماتها
وآدابها وشروطها، وما أجل وأسمى شروطها؟!
هذه هي ضيافة الله تعالى، فكيف يا
تُرى تكون مواقعنا فيها؟ وما هي مسؤولياتنا عندها؟
إن ضيافة الله سبحانه لنا لا تكون
إلّا على بساط الطاعة..
- فيها الجوع المربي للنفس: على
الصبر، وعلى الرحمة بالمساكين، وعلى كلّ الأخلاق
الطيبة..
- وفيها الذكر المربي للقلب: على
التعلق بالله تعالى وعبادته..
- وفيها الاستغفار المربي للروح:
على السمو والصفاء والارتقاء إلى درجات القرب منه سبحانه.
فضيافته إذن دعوة
تشريف..
ولعل من أطيب موائد ضيافة شهر الله:
الاستغفار في أسحاره الشريفة.. حيث صفاء الليل وقداسة الوقت وسمو
المطلب، فإذا دعونا بدعاء أبي حمزة الثمالي المروي عن مولانا الإمام
السجّاد (عليه السلام) خامر قلوبنا الأمل والرجاء، وتعلمنا التوبة
والعبودية الرفيعة:
«عظم يا سيدي أملي، وساء عملي،
فأعطني من عفوك بمقدار أملي، ولا تؤاخذني بأسوأ عملي... اللهم إنّ
لك حقوقا فتصدق بها عليّ، وللناس قِبَلي تبعات فتحمّلها عني، وقد
أوجبت لكلّ ضيف قِرى وأنا ضيفك، فاجعل قِراي الليلة
الجنة...».
درس واعتبار:
في الضيافة الربانية الشريفة أملٌ
ورحمةٌ، وعطفٌ ورعايةٌ، يتعلم فيها العبدُ كيف يأوي إلى ظِلال
الرحمة، فيدعو إخوانَه المؤمنين إلى مائدته، ويقدم لهم الإفطار حباً
لهم، ويحسن إلى الفقراء ويعين المساكين... قيل للإمام الحسن المجتبى
(عليه السلام): لأي شيء لا نراك ترد سائلاً وإن كنتَ على فاقة؟
فقال: «إني لله سائل، وفيه راغب، وأنا أستحي أن أكون سائلاً وأرد
سائلاً، وإن الله تعالى عوّدني عادةً أن يفيضَ نِعمَه عليّ، وعوّدته
أن أُفيض نعمَه على الناس، فأخشى إن قطعتُ العادةَ، أن يمنعني
العادةَ» (نور الأبصار، للشبلنجي الشافعي: 248).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرة
الكفيل/ نشرة أُسبوعيةٌ ثقافيةٌ (مجانية) تصدر عن العتبة العباسية
المقدسة/ العدد 960.
* (انظر: أدب الضيافة، جعفر
البياتي، ص 14-21)
2026-04-13
2026-04-06
2026-04-02