بادر الى اقتناص الفرصة
2024/02/10
285

قطار الفرص يمر على كل المحطات، ولكنه لا يجبر أحدًا على الركوب فيه، والفرصة مثل طائر النورس، ما إن تحط حتى ترحل وعلى من يريد صيدها أن يستعد لذلك ليس بعد أن ترحل، وإنما قبل أن تحط.. لا تضعي لاقتناص الفرصة شروطًا فهي شرط لغيرها والمبادرة الى الفرصة هي الفرصة.

يُحكى أن شركة في إحدى البلاد من أشهر شركات الدواء في العالم وأكثرها ربحًا منذ عدة سنين وقد بدأت متواضعة، حيث كانت مجرد شركة صغيرة تصنع بعض الأصباغ المستعملة في صبغ الأقمشة حتى منتصف العشرينيات، وكانت مصانع الأصباغ الكبيرة، وشركتان كيماويتان كبيرتان أو ثلاث تطغى عليها، ولكنها انتهزت الفرصة وقامرت على صنع الفيتامينات التي كانت قد اكتشفت لتوها، في وقت لم يكن فيه العالم العلمي يسلم بوجود تلك المواد..
وحصلت على براءات الفيتامينات حين لم يرغب فيها أحد سواها واستأجرت الأساتذة الذين اكتشفوها من الجامعة بأضعاف أجورهم الجامعية، ثم استثمرت أموالها كافة في صناعة هذه المواد الجديدة وتسويقها..
وبعد ذلك بستين عامًا، أي بعد أن انتهت مدة البراءات بوقت طويل، أصبحت تمتلك نصف سوق الفيتامين في العالم، وأصبحت تبيع ببلايين الدولارات في العام الواحد، ولقد طبقت الشركة هذه الاستراتيجية مرتين أخريين، كانت أُولاهما في عقد الثلاثينيات عندما بدأت بتصنيع أدوية السلفا، على الرغم مما كان يقوله غالبية العلماء في ذلك الوقت، من الأدوية المعروفة حينئذ لا تفيد في معالجة الجروح ثم مرة أخرى عندما بدأت بتصنيع المواد المهدئة للعضلات مثل الليبريوم والفاليوم، وذلك في الوقت الذي كان فيه ذلك لا ينسجم مع ما يعرفه العلماء، بل يعدّ خروجًا عليه.. لذا فإنّ انتهاز الفرصة في الوقت المناسب هو الذي حول شركة صغيرة الى واحدة من الشركات العملاقة في صناعة الأدوية على مستوى العالم كله. 

كلنا نعرف قيمة الفرصة بعد أن تضيع، ونحاول اقتناصها عندما تصبح بعيدة عن متناول اليد ونتمنى عودتها من جديد، لعلنا نعوض ما فاتنا منها.. ولكن أصحاب المبادرات هم الذين يوفقون لاقتناصها في الوقت المناسب، ولذلك فإنهم وحدهم المنتفعون بها دون غيرهم.

والفرص تأتي متنكرة، وتذهب ساخرة وهذا هو السر وراء تضييعها من قبل الكثيرين، نسمع بعضهم يقول "كنت أعرف، ولكنني لم أكن واثقًا" أو يقول "لم أكن أتوقع أن تفوت مني بهذه السرعة" وهذا هو الفرق بين من يستغل الفرصة في وقتها المناسب ومن يركض وراءها بعد أن تطير من يديه.

إن صاحب المبادرات يقفز على الفرصة، كما يقفز الطير على الحَب، أما غيره، فينتظرها لكي تأتيه في حضنه، ولاشك أن الفرص عزيزة النفس فهي لا تبالي بمن لا يبالي بها. وعلى كل حال لابد قبل كل شيء من معرفة خصائص الفرصة، وهي كالآتي: 
أولًا: الفرص تأتي ضبابية، غير واضحة المعالم. 

ثانيًا: إنها لا تبطئ فالزمن ليس في مصلحة من يريد اقتناصها، يقول الإمام علي عليه السلام "قرنت الهيبة بالخيبة والحياء بالحرمان والفرصة تمر مرّ السحاب فانتهزوا فرص الخير".

ثالثًا: إنها تأتي متكافئة، فهي متساوية للجميع، واقتناصها متاح لكل الناس، وكما يقول المثل فإن الفرص تقرع كل الأبواب ولكنها قد لا تجد أحدًا في الداخل.

رابعًا: إنها بعد أن تذهب لا تعود، يقول الحديث الشريف "الفرصة سريعة الفوت، بطيئة العود".

عندما يتأمل المرء حياة العظماء والزعماء والقادة والناجحين في الحياة يتوصل إلى هذه الحقيقة وهي: إن نجاحهم مدين إلى استثمارهم للفرص الذهبية التي مرّت عليهم في حياتهم، وبالمقابل فإن الفاشلين في حياتهم يعود سبب إخفاقهم إلى إضاعتهم للفرص التي لم يعرفوا أن يستثمروها أو لم يتم اقتناصها أصلًا، إن اغتنام الفرص الذهبية هو سر من أسرار النجاح والتفوق والإنجاز، كما أن الفشل يعود في جزء كبير منه إلى الفرص الضائعة.

لكي تستثمر الفرص الحاضرة، لا تعش الماضي لأنه قد انتهى، ولا تؤمل في المستقبل لأنه مشكوك فيه، وأفضل حكمة "أن تعيش الحاضر" وذلك باستثمار واستغلال الفرص المتاحة أمامك الآن، فاعمل على استثمار الفرص، وإياك وإضاعتها أو التفريط بها؛ وعندها فقط ستنفتح أمامك أبواب النجاح والتقدم والسعادة، زإن اقتناص الفرص واغتنامها لهي سمة من سمات الناجحين والمتميزين؛ فاحرص على اغتنام الفرص التي تمرّ عليك، فإن الفرص كثيرة، ولكن الذين يدركون أنها بالفعل فرص هم.

ومن الجدير بالذكر أن الأهم هو ذاتك التي ترافقك طوال العمر والاستثمار فيها، فالتعلم المستمر وتطوير الذات من أهم الفرص في الحياة كلها، وأساس صناعة الفرص هو الاستثمار في الذات، وذلك من خلال تنمية المهارات وزيادة الخبرات عن طريق الدراسة الأكاديمية، والعمل في التخصص ذاته، ومن ثم التطوع من دون أجر أو عمل مبادرة صغيرة أو تأسيس مشروع ناشئ، كل ذلك لكسب الخبرة وتوسيع دائرة العلاقات، وقبل كل ذلك التأكد من موافقة تخصصك لميولك وقدراتك وموهبتك، ومقياس تلك الموافقة هو العطاء والمساعدة بلا حدود أو شروط، حينها ستجد وبشكل تلقائي زيادة في حجم الفرص من حولك بل ستجد أن الفرص هي التي تبحث عنك، إذن فالفرص حولنا في الحياة تزيد وتتجدد مع كل طَرْقٍ وسعي وبذل ومع كل عطاء وتطوير، وتقل وتتبدد كلما انكمشنا على أنفسنا وعشنا من أجل ذواتنا.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: إذاعة الكفيل - برنامج قمم النجاح - الحلقة الثانية - الدورة البرامجية 77.

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا