الآباء والأمهات ودار المسنين
2020/02/22
57

كم هو صعب أن ينحت الآباء في الصخر لينشؤوا أبنائهم كما يحبون، فيودعهم الأبناء حين ينبت ريشهم دوراً أسموعها (دور رعاية) ولكنها باردة من العواطف والحنان والتي انتشرت في الآونة الأخيرة بشكل ملفت للنظر، ولا شك أن لهذه الظاهرة أسباباً كثيرة قد يكون أهمها وأولها عدم وجود من يعيل هؤلاء المسنين وفي ظل غياب الرعاية عند الأهل أو الأقارب تصبح الحاجة إلى هذه الدور ماسة، لأنها تؤمن المأوى والحاجات الأساسية والدعم النفسي لمن ينتظر نهاية العمر، ففي بعض الحالات يفقد المسن أهله وكل من حوله فيبقى وحيداً كأن تفقد المرأة زوجها أو أهلها ولا يكون لها أولاد يعينونها فتضطر الى دخول دار للرعاية لتعيش بقية أيامها فيها، وفي حالات أخرى يلجأ الأهل أو الأقارب لوضع المسن في دور الرعاية بسبب عدم مقدرتهم على تحمل إعالتهم مادياً أو ربما يلجأون إلى الدار بسبب ضيق صدرهم منه فيكون الحل هو إلقاء هذا المسن في دار بعيد وقد تمضي الأيام ولا يسأل عنه أحد، ويعد هذا قلة في المروءة وضعفاً في التمسك بمبادئ الدين الحنيف الذي أمر أن نبر آباءنا وأمهاتنا لا أن نتخلى عنهم بهذه الصورة البغيضة والمنفرة، فربما كان هذا الشيخ أو هذه العجوز هي باب أحدنا الذي يدخل به الجنة.

مأساة حقيقية يعانيها مجتمعنا وللأسف وهذا يبدو وضعاً غريباً في مجتمع إسلامي يتميز بقوة العلاقات الاجتماعية فيه وخاصة الروابط العائلية ومن يدين بدين الإسلام فمن المفترض أن تدرك أهمية العلاقة وقدسيتها بين الولد والأهل بصورة خاصة وبين ذوي الأرحام بصورة عامة، يقول الله في كتابه العزيز: (وقضى ربك ألأ تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً)، فمجرد إظهار التأفف ناهيك عن النهر يندرج تحت العقوق، فما بالك أخيتي بمن يحمل أباه أو أمه الى دار المسنين تنفيذاً لأمور زائلة، فإذا كان الله تعالى يأمرنا بمصاحبتهما بمعروف حتى في حال شركهما في الله فما بالنا إذا كانا مسلمَين مؤمنَين، يقول الله تعالى في حديث قدسي: (إني خلقت الرحم وشققت لها إسماً من إسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته)، وعن مولانا الإمام الصادق(ع) أنه قال: ( عظّموا كبراءكم وصلوا أرحامكم).

ومن المؤكد أنك سمعت بقصة الرجل الذي اشتد مرضه وأخذ يعاني سكرات الموت إلا أنه لم يستطع نطق الشهادة، فقال النبي(ص): " هل من أبويه أحد حي؟ قيل: يا رسول الله له أم كبيرة السن فأرسل إليها الرسول(ص) وقال لها: أصدقيني القول كيف كان حال ولدك معك؟ قالت: يا رسول الله: إنه كان كثير الصلاة وكثير الصيام وكثير الصدقة، فقال لها النبي(ص): فما حالك معه؟ قالت: يا رسول الله أنا عليه ساخطة، فقال رسول الله(ص): إن سخطك عليه حجب لسانه عن الشهادة، ثم قال النبي(ص): يا بلال إنطلق واجمع لي  حطباً كثيراً، قالت: وما تصنع به يا رسول الله؟ قال: سنحرق ابنك في النار فقالت: يا رسول الله إنه ولدي ولا يحتمل قلبي أ، يحرق بالنار فقال النبي(ص): عذاب الله أشد وأبقى ونار الدنيا أهون من نار الآخرة، إن أردت أن يغفر الله له فارض عنه، فوالذي نفسي بيده لا ينتفع بصلاته ولا بصيامه ولا بصدقته مادمت عليه ساخطة، قالت: يا رسول الله فإني أشهد الله تعالى وملائكته ومن حضرني من المسلمين إني قد رضيت عن ولدي)، وإذا بهذا الرجل نطق الشهادة ومات.

وهناك مثل معروف نردده دائماً وهو " كما تدين تدان" فليتبين هذا الأب أو هذه الأم إن كان باراً بوالديه حين كان كانا على قيد الحياة فإن برا أهلهم فسياتي أبنائهم بدورهم ليبروهم وإن قصروا وتغاضوا عن أهلهم فلا يلوموا إلا أنفسهم حين ياتي الدور عليهم، وفي هذا السياق يقول الرسول الكرم محمد(ص وآله): "ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله عند كبر سنه من يكرمه".

لذلك ينبغي على الأهل أن يربوا أولادهم بالقدوة على بر الوالدين لينشأ الأولاد وهم يرون تعلق آبائهم وأمهاتهم بمن كانوا سبباً في وجودهم فتتأصل هذه المعاني في نفوسهم وتصبح ملكة متمكنة في شخصياتهم ويحسنوا بدورهم إلى أهلهم.

وتربية الأولاد على الدين والالتزام بالشرع الحنيف لبر الأهل عند الكبر، فحين ينشأ الأولاد على تقوى الله جل وعلا والآيات العظيمة التي تظهر مدى أهمية بر الوالدين وكذا الأحاديث الشريفة التي تشدد على برّهما، فحينها لابد أن يثمر هذا الغرس أولاداً بارين، وليتذكر هؤلاء الأبناء أن برهم لآبائهم وأمهاتهم هو أعظم سبب لدخول الجنة ورضا الرحمن جل وعلا حتى لو كانا كافرين ودعائهما لأبنائهم ووجودهم في كنفهم حتى لو كانا عاجزَين كلياً فهو بركة وخير لهم، ورضاهما يفتح أبواب السماء لتنهمر بالخيرات عليهم لو يعون ذلك.


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:وقد بلغت من الكبر عتياً -الحلقة السابعة -الدورة البرامجية 32.


تحدث معنا
يمكنكم ايضا التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا

الوفاء

2020-05-19