الإنجاب بين قرة عين وقذاها
2020/12/03
421


 تمضي أيام شهر العسل بسرعة، ويترقب من في البيت أن تُذاع بُشرى تقرُّ لها الأعين، ويعبقُ عطراً يُطيّب النفوس، ويُبهج القلوب سماعه، ويستولي على طاقم الاسرة نشوته.. فالزوج يتوارد عليه الشعور بالأبوة ومسؤلياتها، وتهب نسائم الامومة لتداعب مشاعر الزوجة، فتتلمس بين الفينة والأخرى بطنها ترقب زيادة حجمها مع إحساس بالغبطة لم تألف طعمه، وأما والدا الزوجين فلهما حديث لا يسعه المقال، فالعلاقة مع الحفيد بالنسبة لهما قصة حياة جديدة، تبعث في نفسيهما الآمال والمسرات وكما قيل: "ما أعز من الولد إلا ولد الولد" فيصدحان بفخر واعتزاز إنَّ كِنَّتَهم حامل..!، وسيصبحان جدّين..!! ويحرك أخو الزوج يده - وهو يشعر بالحماسة والفخر - ماسحاً على شواربه بأنه سيُصبح عمّاً..! بينما تكاد عمته تطير من الفرح وتأخذها مخيلتها الى سوق ومولات الصغار، حيث ملابس حديثي الولادة الوردية والبيضاء والـ... وتفتح أم وأخوات الزوجة رسائل "الواتساب والفايبر" ليجدن "المسجات": أنا حامل..!! لتتولى الاتصالات بالتباشير والسرور، فللخالة والخال حصة وافرة من ابن اختهم (فثلثين الولد على خاله)، هكذا أجواء يحنّ اليها (الزوجان المحرومان منها) حيث يُخيم الهمّ والحزن على ذينك الزوجين، وقد مضى من حياتهما الزوجية أشهر كثيرة، وربما سنوات طوال دون أن يُرزقا بطفل..؟! تقرّ به الاعين، وتعقد عليه آمالهما..! فلم تبقِ الزوجة و(حماتها) أم الزوج طبيباً أو صاحب رقية أو عرّافة... إلا وذهبا اليه، ولكن دون جدوى، ويبدأ الشعور بالأمل يتناقص لدى الزوجين ومن يهمهم امرهما، وهنا تبرز هشاشة الارضية الايمانية لدى البعض منهم، ويسيطر على عقله الوهم والجهل، فيلجأ الى اتهام الزوجة بأنها هي لا تنجب ويحملها مسؤولية ذلك..؟ فتبدأ الألسن بالانتقاص منها ويسمعوها رشقات كأنها لفحات السَموم: (عاقر.. ما بيهة خير)، ويبدأ البعض من أفراد أسرة الزوج يحثون الزوج على البحث عن زوجة اخرى في الوقت الذي تعيش الزوجة شعوراً بالحزن والقلق من مستقبل حياتها الزوجية.

 وبسبب التصعيد الذي يمارسه أهل الزوج سواء كان من أمه أو أبيه أو طرف آخر..، تتأزم العلاقة بين الزوجين، ويعيشان بروداً عاطفياً، وربما تحدث حالات شجار على امور تافهة، فتتوتر الروابط بينهما اكثر وخلال كل نوبة شجار ينهي الزوج صراخه بكلمات التوبيخ والذم لزوجته، ويحملها مسؤولية عدم الانجاب..! وهكذا ربما تنتهي العلاقة الى الطلاق او اتساع رقعة المشكلة وتفاقمها... وهذا كله سببه الفراغ العقائدي الذي يغط به الكثير، وهشاشة الارضية الايمانية، فلو كان هذا الزوج او اهل الزوج يؤمنون واقعا بقوله تعالى: ((لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)) [الشورى: 49، 50].

فالقناعات التي تأصلت في كثير من الاسر حول أن الزوجة هي المسؤولة عن الانجاب هو تفكير خاطئ وينافي الايمان والاعتقاد بمؤثرية الخالق وبحكمته سبحانه في الرزق، وان العِلم الحديث توصل الى إمكانيات كشف السبب وراء عدم الانجاب، فلماذا لا يكون الزوج او أهله منصفين في الاذعان للمختبر الطبي في تحديد السبب؟ فقد يكون كلاهما سالمين من اي عاهة تمنع من الانجاب، ولكن يد الغيب هي التي تحول دونه..! فعلى الزوجين ان يعيشا في ترقب وأمل لإشراقات السماء، وأن يجعلا ثقتهما بالله تعالى الذي هو ولي المنع والعطاء، وبيده خزائن السماوات والارض، وان يحافظا على استقرار ومصير حياتهما ولا يفرقهما شيء، ويمضيان قدما يعيشان الامل، فللأمل إشراقة لا تغطيها سُحب اليأس مهما طالت، وما طرق أحد باب أكرم الاكرمين ورجع خائباً.

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: صحيفة صدى الروضتين/ العدد 291- حسن عبد الهادي اللامي.

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا