حقيقة الدعاء
2021/01/03
152

 إنّ حقيقة الدعاء تكمن في الالتفات إلى حقيقية المقصود في تحقيق الطلب وليس الالتفات إلى نفس الطلب، بمعنى استحضار المدعو بكمالاته الواهبة، والتيقن من واهبيَّته، فليس من الدعاء بشيء من دعا الله تعالى وقلبُه لاهٍ عن المقصود في تحقيق طلبه، وإلى هذا المعنى الشريف تُشير الآية الكريمة: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الدع إذا دعان)، حيث قُيِّدت الإجابة بقوله تعالى: (إذَا دعان)، ومعنى ذلك حصول الالتفات القلبي، لا مجُرد لقلقة اللسان فمَن سأل اللهَ حاجةً من حوائجه وقلبُهُ متعلّقٌ بالأسباب العادية أو بأمورٍ وهميةٍ توهَّمها، فإنّه لم يخلص الدعاءَ لله سبحانه ولم يسأل اللهَ حقيقةً، ومن الواضح بأنَّ الله الذي يُجيب الدعوات هو الذي لا شريك له في أمره، فمَن استحضر الأسباب العادية والأوهام البالية يكون ممنوعاً من الاستجابة له. بمعنى: أنّه فَقَدَ حقيقة الدعاء. وأمّا مَن وجد حقيقة الدعاء فلا ريب بحصول الاستجابة له، وهذا هو معنى كلمة أمير المؤمنين علي(عليه السلام): "ما كان الله ليفتح باب الدعاء ويغلق عليه بابَ الإجابة".

إذن، أخواتي إن حقيقة الإنسان هي الفَقر المُطلق، أي الفقر في كل شيء، فالفقر ليس صفةً عارضة عليه، وإنّما هي حقيقُه الوجودية في قبال مَن حقيقته الغنى المطلق وهنا يتحرّك الدعاء بالفقير المطلق تجاه الغنيّ المطلق، بعبارة أُخرى: إنّ الدعاء هو أحدُ السُبل، بل هو أهمُّ السُبل لتحصيل الكمال  وإنَّ الدعاء - كما جاء في الراويات الصحيحة السند- يُمثّل مُخّ العبادة، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ( الدعاء مخ العبادة ولا يهلك مع الدعاء أحد).
وهذا يعني أنّ الدعاء يُشكّل حلقةً أو مدرسةً تعليميةً تُعرّفنا بحقيقة العبادة، ولعل التعبير بالمخ هو للكناية عن كون الدعاء يشكل حلقة السيطرة في السُلّم التكاملي، فكما أنّ الإنسان بلا مخ يفقد كلَّ شيء، فكذلك العبادة بلا دعاء لا تبقى لها قيمة حقيقية، وهنا ينبغي التنبيه إلى أن العبادات هي بنفسها دعاء ولكنها دعاء عامّ وكما إنَّ الإنسان لا يُمكنه العيش بلا أمن وأمان واطمئنان والدعاء وسيلة عملية لتحصيل ذلك، ولعل هذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: (الذين امنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكرِ الله تطمئن القلوب)، فالدعاء كما هو واضح هو عين الذكر، وبالتالي فهو مجال رحب لتحصيل الطمأنينة، ثمَّ إنَّ المضطرِّين لا ملجأ لهم بعد أن تضيق الأرض بهم بما رحبت سوى الدعاء والتماس حاجاتهم من قاضي الحاجات، فهو مُتنفَّس ذوي المآرب الذي تُحفظ بسؤاله الكرامات وماء الوجه، وأنَّى لنا ذلك في ساحة غيره؟ ولذلك ذمَّ الله سبحانه وتعالى قوماً تركوا الدعاء، فقال: ( نسوا الله فنسيهم). 

فضلاً عن ذلك أن حاجة الانسان الماسة أدى الى فتح قناة اتصال مباشرة، يمكن اللجوء إليها في آنٍ ومكان، وليس هنالك أفضل من الدعاء، ولا ريب بأنَّ هذه الحاجة فطرية جِبلِّية، لا يُمكن الاستغناء عنها، وهذا الأمر ليس محصوراً بالمؤمنين، بل هو باب مفتوح للإنسان،أيّاً كانت عقيدته، وأيّاً كان سلوكه، فمن الواضح (أنَّ لكل امرئ طريقاً من قلبه إلى الله تعالى، فثمَّة باب في كل القلوب، يُفتح عليه سبحانه، فحتّى أشقى الأشقياء نجده عند الابتلاء، وعندما تتقطَّع به الأسباب، تنتابه هزّة ويلجأ إلى الله، وهذا أمر أصيل في فطرة الإنسان وطبيعي في وجوده فليس الباب مقصوراً على الصالحين المؤمنين، كما يتوهم بعض السُّذج بل هو باب مُشرع أمام الجميع، وإذا كانت الأم الرؤوم يتعاظم حنانها على ولدها الضعيف المريض، فتعتني به بنحوٍ يفوق اعتناءَها به حال صحَّته وعافيته، فإنَّ الله تعالى كذلك، بل هو أعظم رأفة بنا من تلك الأمُّ الرؤوم، ومن الواضح بأنَّ العناية الفائقة بالمريض حاجة إنسانية وقاعدة عُقلائية وطريقة إلهية فالدعاء ماء حياة المريدين، فلا حركة ولا سكون بدون صلته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:برنامج أمن يجيب المضطر-الحلقة الأولى-الدورة البرامجية59.


تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا