الحوار في الإسلام
2020/10/19
138

يشكل الحوار ركنًا أساسيًّا من أركان الدعوة الإسلامية، فالدعوة الإسلامية في الأساس قائمة على حوار المُخالفين وإقناعهم بالحجة والمنطق والدّليل، وقد جاءت الدعوة الإسلامية في أساسها لتُعطي الحرية لجميع الناس في اعتناق الإسلام فلا إجبار لأحد على ذلك ما لم يقتنع اقتناعًا كاملًا ، قال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر) حيث كان ديدن المسلمين على الدّوام هداية النّاس إلى الحقّ والصراط المُستقيم بالحكمة والموعظة الحسنة بعد أن يدخل نور الإسلام إلى قلوبهم فتنشرح له صدورهم.

والحوار ينبغي أن يكون ممنهجاً بالحِكمة متصفاً بالموعظة الحسنة، فلا ينبغي أن يكون الحوار أهوجاً دون أسس وقواعد وضوابط، وإلا انقلبت نتائجه ولم يؤت ثماره، كما يجب أن يكون الحوار باستخدام الأسلوب الحسن المُنمّق بعيدًا عن العُنف والتّخويف والتشكيك، قال تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

الحوار هو المنهج الأصوب لتفادي الحروب والكوارث؛ فلولا التحاور العقلاني لكثرت الحروب، واقتتل الناس فيما بينهم، ولهاجت أفعالُ الجاهلية، وحرب البسوس خير شاهد على ذلك، فبعد أن اقتتلت قبيلتا داحس والغبراء مدّة أربعين سنة كاملة لم ينتجْ عنها إلا الدماء والقتل والتنكيل، فلّما جلَسوا للتحاور الهادئ أصلح الله بينهم، ولو جلسوا للحوار قبل بدء الحرب لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من القتال.

  إنّ الغاية من الحوار بالدرجة الأولى هي إقامة الحجّة ودفع الشبهات وبيان الرأي الفاسد من الرأي الصائب، ويكون ذلك بطريق الاستدلال الصحيح والاستشهاد بالشواهد المُناسبة حتى يتمكّن المتحاوران من الوصول إلى الحق، فغاية الحوار الأولى ووظيفته المثلى هي إظهار الحق.

  إن المقصود الأعظم من الحوار في الإسلام هو دعوة المخالف وإرشاده للصواب حتى يقتنع بعقله بمنطق الإسلام وصدقه، ويعتقد بطريق الحوار الهادئ أنّه الصواب، فالحوار الهادئ هو مفتاح القلوب ومن خلاله يتوصل إلى العقول وبه ترتاح النفوس وتقر، قال تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). 

إن من أهمِّ ثمرات الحوار في الإسلام تضييق هوّة الخلاف بين المتحاورَين، وتقريب وجهات النظر بينهما حتى لا يبقى في صدورهما شيء ضد بعضهما؛ حيث يمكن من خلال الحوار الهادئ الوصول إلى حل وسط يرضي جميع المتحاورين ويقنعهم إن كان الخلاف بين جماعتين أو شخصين في فكرة ما، وبالتحاور يُستبدل التباغض والتناحر إلى تحاببٍ وتواد.

  إن الحوار السليم يوصل المُتحاورين إلى كشف ما يلصق بالأفكار والمُعتقدات من شبهات وأباطيل اختلقها أعداء المَنطق لإرضاء رغباتهم، ممّا يوصل بالنتيجة إلى إظهار الحقّ وبيانه، وإبطال الباطل وإزهاقه.

آداب الحوار

حتى يكون الحوار ناجحاً وعقلانيّاً ومنهجياً، يُثمر في قلوب وعقول من يستمع إليه ويتناقش من خلاله لا بُدّ أن يحوي عدداً من الآداب والأمور المنهجيّة، منها:


-أن تكون النيّة المقصودة للمتحاورين من الحوار الدائر بينهما الوصول للحقّ وإظهاره، لا إظهار ما يَعتقد به المتحاور بغضّ النظر عن كونه صائباً أم غير صائب، فلا يَنبغي أن ينبني التحاور على حبّ إظهار القدرات المعرفيّة من أجل الوصول للسمعة، أو الرياء، أو يكون القصد من ذلك مجرّد الجدال، أو إعلاء الباطل مع علمه ببطلانه. كان الشافعيُّ - رحمه الله - يقول: (ما ناظرتُ أحدًا قط على الغلبة، ووددتُ إذا ناظرتُ أحدًا أن يظهرَ الحقُّ على يديه)، وقال: (ما كلمتُ أحدًا قط إلا وددتُ أن يوفَّق ويسدد ويُعان ويكون عليه رعاية من الله وحفظ).

-التواضع ولين الجانب وحُسن الخُلق عند طرح الفكرة المخالفة للآخر، ولذلك أثرٌ فعّالٌ على المُستمع والمتحاور؛ حيث إنّ المتحدّث إن انتقى كلماته وتحدّث بتواضع كان ذلك أدعى للإنصات له والاهتمام بما يقول.

-أن يُتقن المُحاور فنّ الاستماع للآخر؛ فكما أنّ طريقته في الحديث تجذب الأسماع إليه، فكذلك حُسن استماعه لمن يحاوره يجب أن يكون جيّداً؛ فلا يَنبغي أن يكون الحوار من طرفٍ واحدٍ بحيث يستأثر هو بالكلام دون محاوره.

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: برنامج قيم لا تموت- الحلقة السابعة- الدورة البرامجية59.

 

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا