2024/02/08
474
حكمة تشريع التوبة
والاستغفار:
للرجاء دورٌ مهمٌ في إبقاء الحيوية
المعنوية في الفرد المسلم، فالشريعة لم تقطع رجاءه على أثر ارتكابه
بعض الذنوب، بل فتحت مصراعيها للمذنبين كي يعودوا، وجعلت لذلك
طرقاً، منها: الشفاعة، والتوبة، والاستغفار..
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحيماً﴾، إن المغفرة هي الستر، بمعنى أن يستر القادرُ القبيحَ الصادرَ ممن تحت قدرته ، فالمغفرة إذن هي التغطية على الذنوب والعفو عنها، وهي من أسماء الله عزّ وجلّ، الغفور، والغفّار، بمعنى الساتر لذنوب عباده، وعيوبهم، المتجاوز عن خطاياهم، وذنوبهم اما التوبة فهي الرجوع من الذنب وفي الحديث: "الندم توبة" أمّا شرعاً، فهي الرُّجوع إلى صراط الله المستقيم بعد الانحراف عنه وقد عرَّفها علماء الأخلاق بأنّها ترك المعاصي في الحال، والعزم على الابتعاد عنها في الاستقبال، وتدارك ما سبق من التقصير في حقّ الله وحقوق الآخرين.
حقيقة التوبة هي الرجوع الاختياري عن المعصية إلى الطاعة والعبودية لله وحده لا شريك له، كما في قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.. وتوبة العبد إلى الله ورجعوه بتركه للمعصية هو توفيق إلهي محض لان الإنسان في ذاته فقير، والفقر عين ذاته بمعنى أنّه متمحِّضٌ في الحاجة، لذا فهو محتاج إلى توفيق الله ومدده تعالى.
إنّ للاستغفار والتوبة آثاراً
عظيمةً على الإنسان، تؤثّر عليه من خلال مجريات حياته، نشير فيما
يأتي إلى بعضها:
1- الخير والبركة:
هناك ارتباطٌ قويٌ بين الاستغفار وبين صلاح المجتمع ونزول البركات
والحياة الطيبة، قال تعالى حكاية عن هود عليه السلام: ﴿وَيَا قَوْمِ
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ
السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى
قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾.
2- دفع العذاب: من آثار الاستغفار الطيبة رفع العذاب عن هذه الأمة، وعن الإمام علي عليه السلام قال: "كان في الأرض أمانان من عذاب الله سبحانه، وقد رُفِع أحدهما، فدونكم الآخر فتمسّكوا به، أمّا الأمان الذي رُفِع فهو رسول الله صلى الله عليه واله، وأما الأمان الباقي فالاستغفار، قال الله عزّ من قائل: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
3- تكفير السيئات: فإذا تاب العبد توبة نصوحاً كفَّر الله بها جميع ذنوبه وخطاياه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾.
4- تبدّل السيئات حسنات: فإذا حَسُنت التوبة بدَّل الله سيئات صاحبها حسنات، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾، وهذا من أعظم البِشارة للتائبين، إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح.
5- طهارة القلوب:
الاستغفار كما ورد في النصوص الشريفة يجلي القلوب، ويطهّرها من كل
خبث ونجس، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنّ للقلوب صداء
كصداء النحاس، فأجلوها بالاستغفار"، حيث عبّر رسول الله (صلى الله
عليه وآله) عن الذنوب بالصدأ، التي لا يمكن جلاؤها إلا
بالاستغفار..
فللتوبة ضرورة إذا كنا ندرك تلك
الآثار الخطيرة للذنوب في الدنيا والآخرة، كأن تنزل النقم وتحبس
النعم وتمنع الرزق وتجرنا إلى العذاب الأليم، فإن العاقل المؤمن
بالمعاد وبربِّ العباد، لا بد أن يبادر إلى إعلان توبته، وتطهير
نفسه حتى لا يكون محروماً في الدنيا وشقياً في الآخرة، وإن التوبة
من الذنوب تؤدي إلى تطهير القلوب.
عن أبي جعفر (عليه السلام): "ما من
عبدٍ إلا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب خرج في النكتة نكتة سوداء،
فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى
يغطي البياض، فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير
أبداً"..
كما في قوله الله تعالى: ﴿كَلا بَلْ
رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم ما كَانُوا يَكْسِبُونََ﴾.
كما للتوبة صور متعددة ومن هذه
الصور هي:
الصورة الأولى:
عبدٌ مستقيم على التوبه والإنابة لايحدث نفسه بالعودة الى المعصية
طيلة حياته يستبدل بسيئاته الحسنات وهذا سابق بالخيرات نفسه
مطمئنة راضية مرضية.
الصورة الثانية: عبدٌ عاقد على التوبة وفي نيته الاستقامة، ولا يسعى في المعصية ولا يقصدها ولا يهتم بها، ولكنه قد يُبتلى بدخولها عليه من غير قصد منه، ويمتحن بالهم، فهو مؤمن تُرجى له الاستقامة لأنه في طريقها ونفسه نفس لوامة تلومه إن عصى وتلومه إن قصر في الطاعة.
الصورة الثالثة: عبد يعصي ثم يتوب ثم يعود للمعصية ثم يحزن على فعله لها وسعيه اليها إلا إنه يسوف بالتوبة ويحدث نفسه بالاستقامة ويحب منازل التوابين.
الصورة الرابعة: إنه أسوأ العبيد حالاً وأعظمهم، وأعظمهم على نفسه وبالاً وأقلهم من الله نوالاً، يعصي ثم يتبع المعصية بمثلها أو بأعظم ويقيم على الإصرار، ويحدث نفسه بفعل المعاصي إذا قدر عليها، لا ينوي توبة ولا يعزم استقامة ولا يرجو من الله وعداً، ولايخشى منه وعيدا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: إذاعة الكفيل - برنامج زاد الآخرة - الحلقة
السادسة -
الدورة البرامجية 77.
2026-04-02
2026-03-31
2026-03-30
2026-03-29