الدنيا مزرعة الآخرة
2024/02/06
453

الدنيا هي المكان الذي وجد فيه الإنسان ليجمع الحسنات التي ينتقل بها العالم الآخر ولذا ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "الدنيا مزرعة الآخرة".. لذلك بقدر ما يعمل الإنسان في الدنيا من عمل صالح فإن جزاءه سيكون في الآخرة أكبر وأعظم فهناك سيجد نتيجة ما عمِل. 

كلُ يلقى جزاء عمله وثمرة ما قد زرعه؛ فالقانون الإلهي لا يقبل التغيير، وهذا ما بشر به جميع الأنبياء (عليهم السلام) حيث جاءوا يعلمون الإنسان أن لا حمد إلا للذات الإلهية المقدسة رب جميع الموجودات، والتي تنطوي على الاستعداد الذي يوصلها إلى الكمال المنشود؛ فحبة القمح تنمو لتصبح نباتاً مكتملاً، وحبة الشعير هي الأخرى تنمو فتصبح نباتاً محملاً بالسنابل، كذلك النواة تنمو فتنشأ عنها نخلة.

إن مقام الربوبية يقضي بأن جميع الموجودات في حالة نمو وتكامل، ولذا فإن سعادة كل إنسان إنما تتوقف عليه نفسه، عليه أن يدرك أن كل عمل يقوم به إنما هو بذرة يزرعها في مزرعة الوجود وأنه سيذوق ثمرة ما قد بذر حلوة كانت أم مرة، ذلك أنه لا يستطيع أن يذوق أو يستفيد من ثمار إنسان آخر، كما أن أي إنسان لا يمكنه أن يستفيد أو يتناول من ثماره، وإن أي إنسان لا يمكنه أن يزرع السيئات فيحصد منها الحسنات.

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوصي ابنته الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) والتي كانت تحتل من قلبه منزلة لا يدانيها فيها أحد، وكان يعتبرها فلذة كبده، كان يوصيها بقوله: "إني لا أغني عنكِ شيئاً"، وهذه حقيقة كثيراً ما كان الرسول يؤكدها منذ فجر الدعوة الإسلامية فقد جمع رجالاً من عشيرته الأقربين وذلك من بعثته وأنذرهم قائلاً: "يا بني عبد المطلب لا تقولوا محمّدا منا، فوالذي نفسي بيده لا أغني عنكم من الله شيئاً، وإن كل امرئ وما كسبت يداه خيراً فخير وإن شراً فشر".. وقد طلب أحدهم من أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يعظه، فقال: "لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل ويرجو التوبة بطول الأمل"1.

ينبغي للعاقل إذا أراد أنْ يرجو ثواب الله تعالى في الآخِرة أنْ يقيسَ رجاءه لذلك برجاء صاحب الزرع، لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل الدنيا مزرعة الآخِرة بهذا المعنى..
فكما أنّ من طَلَبَ أرضاً طيّبةً وبَذَرَها في وقت الزراعة بذراً غير متعفّنٍ ولا متآكل، ثمَّ أمدّهُ بالماء العَذْبِ، وسائر ما يحتاج إليه في أوقاته، ثمّ طهّره عن مخالَطَةِ ما يمنع نباته من شَوكٍ ونحوه، ثمّ انتظر من فضل الله رَفْعَ الصواعِقِ والآفاتِ المُفْسِدةِ إلى تمام زرعه وبلوغ غايته، كان ذلك رجاءً في موضعه، واستحقّ اسم الرجاء إذا كان في مَظِنّتِهِ أنْ يَفوزَ بمقاصده مِن ذلك الزرع..

ومَن بَذَرَ في أرضٍ كذلك، إلا أنّه بَذَرَ في آخر الوقت، ولم يُبادر إليه في وقته، أو قصّر في بعض أسبابه، ثمّ أخَذَ ينتظِرُ ثمرةَ ذلك الزرعِ، ويرجو سلامَتَهُ، فهو في جملة الراجِينَ أيضاً، ولكنّه لا يَصِلُ إلى مقدار محصول الأوّل..

ومَنْ لم يَحْصُلْ على بذرٍ صالحٍ، أو بَذَرَ في أرضٍ سَبْخَةٍ أو ذاتِ شاغلٍ عن الإنبات، ثمّ أخَذَ ينتظر الحَصادَ فذلك الانتظار حُمق، والرجاء كاذب..

فهكذا حال العبد إنْ بَذَرَ المعارفَ والأعمالَ الصالحةَ في أرضِ نفسه في وقته وهو في مقتبل العمر، وداوَمَ على سَقيِهِ بالطاعات، واجتَهَدَ في طهارة نفسه عن شَوك الأخلاق الرديئة التي تَمنعُ نَماءَ ما زرع، وانتظر من فضل الله تعالى أنْ يُنْبِتَه على ذلك إلى زمان وصوله وحَصاد عمله، فذلك الانتظار هو الرجاء المحمود، وهو درجة السابِقِينَ ..

وإنْ ألقى في نفسه لكنّه قصّر في بعض أسبابه، إمّا بتقصيره في تنقية البذر، أو في السقي، أو غير ذلك ممّا يوجب ضعفه، ثمّ أخذ ينتظر وقت الحَصاد، ويتوقّعُ مِن فضلِ الله أن يبارك له فيه، ويعتمد على أنّه ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، فيصدُقُ عليه أيضاً أنّه راجٍ، ولكن مرتبته بعيدة عن مرتبة الأوّل، ورجاؤه أضعفُ..

وإذا لم يزرع في نفسه أصلًا، أو زَرَعَ ولم يَسْقِهِ بماء الطاعةِ، أو ترك نفسهم شغولةً بشَوك الأخلاق المذمومةِ الرديئة، وانهَمَك في طَلَبِ آفاتِ الدنيا، ثمّ انتظر المغفرةَ والفضلَ من الله تعالى، فذلك الرجاءُ غُرور، وليس برجاءٍ في الحقيقة.

وعلى هذا الأساس يتّضح لنا معنى "إن أَعْمَالُ الْعِبَادِ فِي عَاجِلِهِمْ نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آَجِلِهِمْ"، فكلّ عمل نقوم به في هذه الحياة الدُّنيا التي سُمِّيت بالعاجلة لكون لذّاتها حاضرة، وبسببها تميل إليها النُّفوس، بخلاف الآخرة، فإنَّ لذّاتها مؤجّلة، يأتي ذلك العمل في الآخرة بصورةٍ تناسبه من خيرٍ أو شرّ، وحسنٍ أو قبح، ويراها العامل بعينه في آجله، أي حين حلول الموت، أو الحساب، لأنّه حينئذٍ يرفع الحجاب ويكشف الغطاء.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: إذاعة الكفيل - برنامج زاد الآخرة  - الحلقة الأولى - الدورة البرامجية 77.
*1. المواعظ والحكم / الشهيد مطهري ص40_44.

 

 

 

تحدث معنا
يمكنكم التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا