حجز موعد
المراهق بين الحرّية والانضباط
المراهق بين الحرّية والانضباط
15   2026 / 10 / 26

تدقيق: حنان حسين

المراهق بين الحرّية والانضباط                                               
 
أ.د. سعاد سبتي الشاوي
تُعدّ مرحلة المراهقة من المراحل المهمّة في حياة الإنسان، إذ إنّها جسر العبور من الطفولة إلى الرشد، وفيها تحدث تغيّرات كثيرة منها تغيّرات فسيولوجية وهرمونية ونفسية واجتماعية تجعل المراهق يعيش حالة من الاضطراب والتذبذب في مشاعره وسلوكه، وأنّ هذه التغيّرات لا تنعكس على جسد المراهق فقط، بل تؤثّر في طريقة تفكيره وتعامله مع الآخرين، وفي قدرته على اتخاذ القرارات التي تحدّد مسار حياته اليومية، وهنا ينبغي أن يُنظَر للمراهق بعين الرعاية والوعي، وأن يُمنح مساحة من الحرّية مع وجود ضوابط تحفظه من الانحراف.
إنّ الحرية في مرحلة المراهقة ليست مجرّد مطلب نفسي، بل إنّها حاجة وجودية، فالمراهق يسعى دائمًا إلى إثبات ذاته والتعبير عن شخصيّته المستقلّة، والدين الإسلامي يؤكّد أنّ الحرية ليست حرّيةً مطلقةً بلا مسؤولية، بل هي حرّية مقيّدة بالحقّ الذي جاء من الله سبحانه، فقد قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:29)، لذلك يكون الإنسان مخيّرًا في اختياراته، لكنّه محكوم بالمساءلة.

وقد جاء عن الإمام علي (عليه السلام) هذا المعنى في قوله: "لا تكن عبد غيركَ وقد جعلكَ الله حرّاً"(1)، مؤكّداً أنّ الحرّية الحقيقية هي التحرّر من عبودية الهوى والناس، لا التحرّر من القيم والشرع.
أمّا الانضباط فهو الوجه الآخر للتربية، إذ يعني الالتزام بالقوانين والقيم التي تحفظ التوازن النفسي والاجتماعي، وقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم محمد (صلّى الله عليه وآله) بقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه:20)، وهذا توجيه صريح بأنّ الانضباط يبدأ من الأسرة عبر التربية على الطاعة والالتزام بالواجبات. وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "عليكَ بالأحداث فإنّهم أسرع إلى كلّ خير"(2)، أي أنّ المراهق إذا وُجّه بالانضباط الصحيح كان أسرع استجابةً للقيم وأقدر على الالتزام، وبما أنّ المراهق يعيش تحدّيات نفسية واجتماعية معقّدة، فهو يريد الحرّية لكنّه قد يخلط بينها وبين الانفلات، ويواجه صعوبة في تقبّل الضوابط الأسرية والمدرسية، لاسيّما إذا فُرضت من دون حوار أو تفهّم، فضلًا عن ذلك فإنّه قد يتأثّر بالمنصّات الإعلامية والثقافية التي تحيط به والتي تدعو إلى الفردانية المطلقة، ممّا يزيد من حِدّة الصراع الداخلي بين رغبته في التحرّر وحاجته إلى التوجيه.

إنّ التوازن بين الحرّية والانضباط يتحقّق عبر الحوار الأسري الذي يمنح المراهق مساحةً للتعبير عن نفسه، ويُعلّمه أنّ الحرّية تعني تحمّل نتائج اختياراته، لا التنصّل من المسؤولية، مثلما يتحقّق عبر القدوة الصالحة التي يراها في والديه وفي مُعلّميه، فإنّه يتعلّم أنّ الحرّية المنضبِطة بالقيم هي الطريق إلى النضج، وهذا ما يرسّخه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (الإسراء:36)، فهذه الآية الكريمة تؤكّد أنّ الإنسان يجب أن يراقب نفسه في كلّ ما يسمع ويرى ويعتقد؛ لأنّ الحواسّ والعقل هي وسائل الهداية، فإذا استُعملت في الخير كانت سببًا لنيل الثواب، وإذا استعملت في الشرّ كانت سببًا للعقاب.
إنّ العلاقة بين الحرّية والانضباط في مرحلة المراهقة ليست تناقضًا، بل تكاملًا ضروريًا لتشكيل شخصية متوازنة، فالحرّية تمثّل بُعدًا أساسيًا في بناء الهوية الفردية، بينما يُشكّل الانضباط الضابط القِيمي الذي يحفظ استقرار النمو النفسي والاجتماعي، وأنّ تحقيق التوازن بين هذين البُعدين يُعدّ مؤشّرًا تربويًا على نجاح الأسرة والمؤسّسة التعليمية في إعداد المراهق لمواجهة متطلبات الحياة، ويؤكّد أنّ التربية الفاعلة في هذه المرحلة تقوم على الدمج بين الاستقلالية والمسؤولية ضمن إطار قِيمي واضح.

..............

(1)                  نهج البلاغة: الرسالة31.

(2)                  الغيبة الكبرى: ص11.   

الاحدث