أرذل العمر
2020/03/15
26

سيدتي لو تأملتِ نظام الكون عامة لوجدتِ فيه دلائل عديدة وبراهين متنوعة على انه قد وجد وفقا لمعايير الحكمة البالغة في الدقة والمقاييس ومما يوحي اليكِ انه لم يوجد صدفة ولا كان يوضع فوضوي لا تحكمه قوانين ولا تحده حدود بل ان المعطيات المتوافرة تؤكد انه من صنع صانع وبتأثير مؤثر مدبر.ولما كان ذلك الصانع والمؤثر والمدبر هو الله سبحانه وتعالى فلابد من الاستدلال العلمي على ما نعتقده في عقيدتنا بوحدانيته وأحديته, وعلى هذا الاساس علينا ان نعلم ان قواعد الاستدلال في البحث الموضوعي لتفرض علينا اتباع منهجية دقيقة ومحكمة توصلا الى تأمين الاجوبة الكافية لكل الاحتمالات.

وبناءً على هذه المنهجيات نجد قوله تعالى: (والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد الى ارذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير).

إن مصطلح ارذل العمر هو احد المراحل العمرية التي يمر بها الانسان وقد استعملت في القرآن الكريم في عدة موارد، هذا وقد ورد في قوله تعالى: (ومن نعمره ننكسه في الخلق افلا تعقلون) مما يشير الى انقلاب الحال وارتداد القوى وتراجع القدرات الى درجة الضعف والوهن بحيث ان الانسان في هذه المرحلة يعيش حالة عامة من التدهور والانتكاس في جميع المستويات مما يحدث فيه متغيرات ظاهرية واخرى خفية تؤثر على كافة انشطة الجسم والذهن.

ومهما بلغ الانسان من القوة في الجسم او السلطان او المال عليه ان لا ينسى انه قد يصل الى هذه المرحلة فيستعد لها.لأن بلوغ الانسان مرحلة الشيخوخة المصطلح على بعض مراحلها يمثل دالة من دوال التوحيد الالهي فعلينا العمل على تجاوز تلك المرحلة بسلام بما يبعدنا عن التأثر السلبي بتبعاتها وذلك من خلال قراءة القرآن والحرص على اداء الواجبات بالطريقة المتاحة واللجوء الى الاعمال الصالحة.

وقد تميز الانسان في شيخوخته بما يخفف عنه العناء والتعب كما في استثناءات الصوم وبعض اعمال الحج فلا يجب عليه الوقوف في المزدلفة تمام ليلة العيد الى طلوع الشمس بل يجوز له الافاضة الى منى قبل طلوع الفجر، كما يجوز له الرمي ليلة العيد وكما تجوز له الاستنابة لو عجز عن ممارسة الطواف او السعي بنفسه.وكذلك عليه ان لا يبتعد عن الغذاء الروحي فتشتد عليه حالة الضعف بل تتحول الى ازمة يعاني من ملابساتها ولذلك نجد الروايات التي تحث على مداراة الكبير والصبر عليه وعدم ابداء الضجر منه ومساعدته في كل ما يحتاجه.

إن هذا كله لتذكير إلهي للأنسان بضرورة مراجعة ذاته وجدولة أعماله وفقا للآلية الشرعية الصحيحة إذ لا مفر له- مهما أنكر أو تنكر- من أن يصل الى تلك المرحلة إن قدر الله تعالى له البقاء، فعلى الانسان في هذه المرحلة أن يكثر من الاستغفار ولا ييأس من رحمة الله ولطفه ولا يسمح للشيطان والنفس الامارة بالسوء بالهيمنة والوسوسة في القلب وأن يتفرغ للعبادة وأعمال الخير وصلة الرحم والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وان يجعل حياته واحة خضراء عامرة بالسعادة.

سيدتي لقد أولى الاسلام عناية خاصة للأسرة والمحافظة من خلال تحديد الحقوق والواجبات، ولما كان الوالدان هما العمود الاساسي الذي يرتكز عليه بناء الاسرة ونجاحها  لذلك نجد القرآن الكريم يصرح بعظم مكانتهما ووجوب الاحسان إليهما في الاية: (وقضى ربك الا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) وهكذا نجد أن الله تعالى اعتبر العناية بالوالدين قضية جوهرية، وبدون مراعاة ذلك يكون البناء الاجتماعي منزلاً كالبناء على الرمل فكانت هذه المسألة من اولويات التوجيه النبوي بعد الدعوة لكلمة التوحيد فقد ربط النبي(ص) بين رضا الله تعالى ورضا الوالدين حتى يعطي للمسألة بعدها العبادي وأكد على ان عقوق الوالدين من اكبر الكبائر وربط بين حب الله ومغفرته وبين حب الوالدين وطاعتهما؛ فعن الامام زين العابدين(ع): (أن رجلاً جاء الى النبي(ص) فقال له: ما من عمل قبيح إلا وقد عملته فهل لي من توبة؟ فقال النبي(ص) فهل من والديك أحدٌ حي؟ فقال الرجل: أي، فقال النبي(ص): فأذهب فبرّه).

لقد أراد الائمة (عليهم السلام) أن تبقى منظومة الأخلاق في الأمة حية فعالة انطلاقاً من حرصهم الدائم على سلامة المجتمع الاسلامي حتى لا يتردى أفراده في مهاوي الضياع ولذلك حثوا على التمسك بالقيم الاخلاقية في تعامل الابناء مع والديهم بحيث تتحول الى سلوك مستمر يأخذه الابناء من آبائهم، يقول الامام علي(ع): [بر الوالدين من أكرم الطباع] وقوله: "برّوا آباءكم يبرّكم أبناءكم".

سيدتي الفاضلة علينا تنمية الأسس الاخلاقية في أبنائنا منذ الصغر لكي تكون أقوى عند الكبر وتصبح مساعدة الكبير واحترامه مسألة طبيعية.
لقد حصر الله سبحانه وتعالى حياة الانسان بآية واحدة بقوله: [الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة] هذه الاية يجب أن نتخذها دائماً سلاحاً للدفاع عن ديننا الحنيف في مناقشة الذين ينكرون وجود الله وعدالته ويقولون أن كل إنسان لا يمكن أن يعيش لمدة طويلة الا اذا كان في حوزته المادة الكافية التي يمكن أن يحيا بها حياة أطول قال تعالى: (اينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة).









ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: برنامج أنوار التنمية- الحلقة العاشرة - الدورة البرامجية27.

تحدث معنا
يمكنكم ايضا التواصل معنا من خلال التحدث بشكل مباشر من خلال الماسنجر الفوري تحدث معنا